صيانة محتويات مكتبة الخالدي في القدس

شارك:

توني بيش

محتويات المقال:
> الصحائف
> التبخير
> الأطر

> الخلاصة

في خريف 1986 طلب مني لورانس كونراد السفر إلى القدس لإعداد تقرير حالة عن مكتبة الخالدي، بغرض صيانة محتوياتها التي تتألف من حوالي 1200 مخطوط. ووصلت إلى القدس في يونيو 1987 مترقبا بشغف شديد دراسة هذه المجموعة التي ظلت مهملة سنوات طويلة.

وأسرة الخالدي واحدة من أعرق وأبرز عائلات القدس، فهناك وثائق يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر للميلاد، تثبت الدور المبكّر لهذه الأسرة في المدينة، وعلى مدى مئات السنين، كان لأعضاء أسرة الخالدي حضور مهم في الشؤون السياسية والاجتماعية والدينية لمدينة القدس. وكما كان شائعًا في مثل هذه الظروف الاجتماعية، عمل أعضاء الفروع المختلفة في هذه الأسرة على تجميع الكتب، وكونّوا بمرور الزمن مجموعات مهمّة، توارثها جيل عن جيل.

وقد تعرضت تلك المجموعات الكبيرة للتفرق في العصر الحديث، عن طريق البيع أو الاستحواذ الجائر من المؤسسات الوطنية أو الأجنبية، أو توزعت على عدد كبير من الورثة. ولكن وضع مجموعة الخالدي كان على عكس ذلك، وظلت على حالها مجموعة كاملة.

الصحائف

تقع مكتبة الخالدي في مبنى كان في الأصل تربةً للزعيم الخوارزمي حسام الدين بركات خان، ثم أعيد بناؤها في موقع تجاري قديم في أواخر القرن الثالث عشر للميلاد. وحدث اكتشاف غير متوقع، عندما فحص مهندس يشرف على أعمال البناء في المكتبة أخشاب السقف، وذكر أنه عندما أزيل القرميد، كشفت أشعةُ الشمس التي تسللت إلى سدّة (سندرة) تقع فوق قاعة القراءة في المكتبة، عن كم كبير من الأوراق. وكان قد تم العثور قبلها على بعض الأوراق والصحائف في قاعة القراءة نفسها، وأدت هذه المواد الجديدة التي عثر عليها فوق السقف إلى زيادة الحجم وتَضخمه. ويبلغ مجموع المكتشف أكثر من 20 ألف جزء وصحيفة وورقة من مخطوطات «العصور الوسطى». وكانت هذه المواد في حالة فوضى شديدة وتداخل، ولكنها كانت في حالة جيدة إلى حدّ يثير الدهشة، وقد أمكن حتى الآن إعادة تجميع عدد من النصوص المهمة.

وبفضل هذه المواد، أمكن في بعض الحالات استكمال بعض الثغرات في جزء من المخطوطات المجلدة الموجودة في قاعة القراءة. والأمر الذي يثير الاهتمام هنا هو أن هذه المواد المتفرقة تتصل بكل تأكيد بالمخطوطات الموجودة في مجموعة الخالدي نفسها.

وتم العثور بين الصحائف العديدة على أوراق تؤكد أنها تنتمي إلى مخطوطات موجودة على أرفف المكتبة. وأكد ذلك مرة أخرى أهمية تلك الصحائف وصلتها بالمخطوطات المجلدة. واتفق على تصنيف الصحائف حسب مراحل، بحيث يتم تقسيمها أولا إلى مجموعات يتألف كل منها من صحائف من الحجم نفسه تقريبا، وبعد ذلك تقسم كل مجموعة حسب أسلوب الكتابة، وبَعْد ذلك تُصنف كل «مجموعة فرعية» وفقا للموضوعات. ونأمل في أن نتمكن من الخروج من المجموعات النهائية بمصنفات تامّة. واستكمال النقائص الموجودة في بعض الأجزاء.

ومع بدء العمل عزلت جانبا في مكان منفصل، الصحائف التي ثبت أنها وثائق وليست أعمالا أدبية.

وكان يبدو أن المرحلة الأولى المتمثلة في تصنيف الصحائف حسب أبعادها، هي أصعب المراحل، لأنها تشمل فحص الصحائف كلها وهي في حالة الفوضى المطبقة التي توجد فيها. وكان الكثير منها ملتصقا بعضه ببعض، وبعضها مغطى بطبقات من الأتربة والأوساخ، والبعض الآخر متكور في كتل هشة وسهلة التمزق، وهكذا. وكان تنفيذ المهمة يسبب أيضا مضايقة شديدة، لأن التهوية كانت محدودة، وكان أي تيار هوائي سيؤدي إلى بعثرة المجموعات في كل أنحاء الغرفة. ولم يكن هناك أي طريقة لتجنب الغبار الثقيل الذي كان يرتفع في المكان نتيجة لما نقوم به. وفي الواقع لم نكن سنتمكن من إنجاز العمل لولا أقنعة الوجه البسيطة التي جلبناها من لندن.

والآن تم إنقاص عدد صناديق الصحائف من أربعة عشر إلى أربعة، وأصبحت الصحائف مرتبة بعناية في أقسام مختلفة. وستقوم المرحلة التالية، كما ذكرنا، على تصنيف كل مجموعة على حدة حسب النص. وسيبدأ تنفيذ ذلك في المستقبل القريب، حيث يتم استخدام لوحة من البوليستر المزدوج للمساعدة في إعادة بناء هذه الصحائف؛ وهكذا توضع أكبر قطعة من الوثيقة الممزقة بين طيتي تلك اللوحة لتثبيتها، وبعد ذلك توضع القطع الأخرى فوق البوليستر، وتتم مقارنتها مع القطعة الكبيرة من حيث شكل القطع، والنص، والمحتويات. وبرغم أن هذه الطريقة بدائية إلى حد ما، فإنها تمثل أسلوبا زهيد التكلفة ومؤكَّدا وسريعًا إلى حد كبير للمقارنة بين الكثير من القطع الممزقة.

التبخير

كانت المخطوطات الموجودة في قاعة القراءة موضوعة على رفوف خشبية متراكبة من الأرضية إلى السقف بارتفاع أربعة أمتار ونصف المتر. وكانت تلك الكتب المخطوطة مغشاة بالغبار، كما كانت هناك شواهد على تفشي الحشرات فيها على نطاق واسع، وكانت المشكلة الأولى تتمثل في تحديد منطقة لبدء العمل والتخزين، ونقل المخطوطات إليها. وتم الانتهاء من تنفيذ ذلك بنجاح في بداية 1987.

وأصبح التبخير أمرا ملحا بسبب الضرر الذي يسببه تفشي الحشرات وفعلها في المخطوطات. ووجدنا أن الأمر صعب إلى حد ما بسبب عدم توفر التسهيلات اللازمة في الحي القديم من القدس، ولكننا عثرنا في النهاية على شخص مستعد لتنفيذ هذا العمل، وبدأت عملية التبخير، حيث تم استخدام مولدين للدخان مع المادة الكيميائية هكسا كلورو سايكلو هيكسين (H.C.H.) المعروفة تجاريا باسم ليندين Lindane وعندما ينظر المرءُ إلى العدد الكبير من الحشرات التي تساقطت في المكان، يدرك مدى فائدة هذه المادة. وقد تم جمع عينات من هذه الحشرات، وتبين عند فحصها أنها من نوع الآنوبيداي، وهو نوع مدمر للغاية من فصيلة خنافس الأثاث. وتستطيع هذه الحشرات التغذي بالسليلوز والمادة الغروية في الورق، والقماش، والمواد اللاصقة التي كانت تستخدم في الكتب القديمة. وفي العادة، تضع هذه الحشرات بيضها على طول ظهر الكتاب، وعندما يفقس البيض، تبدأ اليرقات في أكل ظهر الكتاب، وتجتذبها المادة اللاصقة المستخدمة في عملية التجليد. وهكذا فإن الضرر الذي يمكن أن تسببه خنافس الأثاث يكون بالغا.

وبرغم النجاح الأولي لمادة ليندين، اتضح بعد فترة قصيرة أنها ليست الحل الأمثل على المدى الطويل. وهكذا استمرت الحشرات تُسَبِّبُ المشاكل، وكانت هناك حشرات جديدة تخرج من البيض عدّة مرات في السنة، وتمثل تهديدًا للمجموعة بأكملها. ولا يمكن استبعاد كل الحشرات من مبنى أي مكتبة، مهما بلغت درجة الحرص على ذلك. إنها تدخل إلى المكان متعلقة بملابسنا وشعرنا، ومن خلال الشقوق في أطر النوافذ، وبطرق أخرى كثيرة. والسبيل الفعال الوحيد لمقاومتها يتمثل في التبخير المستمر الذي يقوم به أشخاص مدربون يستخدمون معدات مصممة خصيصا لهذا الغرض. ومن المستحسن أن يتم تنفيذ ذلك مرتين سنويا لضمان النجاح. وقد تعين إغلاق مكتبة الخالدي لمدة ثلاثة أيام، وإيصاد النوافذ والأبواب بإحكام، وهكذا حققت عملية التبخير نجاحا بالغا.

الأطر

كان الحبر الذّي استعملت فيه مادة «الزاج» الأساسية بدون توازن يمثل مشكلة كبيرة ومنتشرة في المجموعة بأكملها. فعندما كانت الأطر المستطيلة ترسم حول الأجزاء البراقة. كان يستخدم في ذلك حبر كثير الزاج بلون نحاسي يشبه الذهب، يحتوي على مواد حمضية تضر بالورق. وفي بعض الأحيان أدى ذلك إلى انفصال الجزء البرّاق عن الصفحة. وللمحافظة على هذه الأجزاء أتولى صنع «إطار» جديد باستخدام ورق رقيق من نوع «نسيج العنكبوت»، ومن الممكن أن يكون هذا الورق ملونا عندما يستدعي الأمر ذلك. وتُرمم التمزقات البسيطة والأجزاء الناقصة باستخدام ورق «نسيج العنكبوت». ويتم حاليا إجراء بحوث، عن طريق «المجهرية الاستقطابية»، لتحديد مواد التلوين المختلفة المستخدمة في المخطوطات، وبعضها سريع الزوال إلى أقصى حد.1

الخلاصة

تم الآن وضع كل المخطوطات التي يبلغ عددها 1200 مخطوطًا في صناديق واقية على رفوف معدنية. وبرغم أنه لا يزال يتعين تنفيذ الكثير من العمل بالنسبة للصحائف، فإنه تم إنجاز الكثير من أعمال الصيانة والتجليد على مدى السنوات الثماني الماضية. ونأمل أن يستمر هذا العمل حتى تفتح مكتبة الخالدي أبوابها مرة أخرى أمام الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية.

ملاحظة:

نشر هذا النص في الكتاب التالي:

صيانة وحفظ المخطوطات الإسلامية : أعمال المؤتمر الثالث لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن 18-19 نوفمبر 1995 – النسخة العربية، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، ص .44-39

يرجى الملاحظة بأن بعض الصور المستخدمة في هذه المقالة المنشورة على الموقع قد لا تكون جزءًا من نسخة المقالة المنشورة ضمن الكتاب المعني

Back to Top