لماذا التّراث العلميّ

شارك:

إبراهيم شبّوح

مخطوطة باللغة العربية على الورق، الصين، أواخر القرن السادس عشر إلى أوائل القرن السابع عشر، ٣٠ مجلدًا (كاملة) ٥٠-٦٠ ورقة لكل مجلد، ٢٠×٢٨ سم، عمود واحد (١٣×١٧ سم)، ٥ أسطر بخط محقق إقليمي، عناوين السور بالذهب على أرضية زرقاء داكنة مع تزيين وإطار أحمر، الآيات مفصولة بزخارف وردية ذهبية، تذهيب مزدوج في الصفحتين الافتتاحية والختامية لكل مجلد بزخارف معقودة وأرابيسك بالذهب والألوان، الصفحة الأمامية تحتوي على دائرتين بنمط هندسي من مثلثات ودائرة متداخلة مع ماسات تحتوي على الشهادتين في الأعلى بخط كوفي، وخطين عموديين من النص بخط ثلث ذهبي.

في حركة قرون من التاريخ، مجالُـهـا رقعةٌ واسعة من عالم الإسلام، عاشت أجناس وأديان ومذاهب، وَرثت ما كان هناك من ثقافات للأُوَل كما يقولون؛ تحدّرت تقاليدُها لتَـتَجدَّد في الأجيال اللاّحقة بصائِرَ مُضافَةً إلى ما صنَعتْهُ حضارة الإسلام من إبداعاتٍ وعلم وقِيَم، وما جذَّرته من علاقات وامتدادات روحية وقومية وإنسانية.

كان إنسان هذه الحضارة عنصرًا فاعلاً في صِياغة التاريخ، فأبْقى لنا تراثًا ضَخْمًا واسعًا دقيقًا قام على الكتاب والعمارة والفَنِّ والقِيم؛ وجاء الكتابُ المخطوط ضمن هذا التراث بِلسانِه العربيّ، شاملاً لمجالات المعرفة الإنسانية في الدِّينِ والآداب والعِلْم؛ وامتدّت مسيرةُ وتَطوّرُ هذا التراث مع الزمن، تَرْعاه أمة كبيرة، بَقي منه ما بَقي وتفاعل مع العصور، وحُفظ منه ما حُفظ ذكرى لأيام خَلتْ، عندما أَصْبَحَ يدور خارج دَورة الزّمان، وتَوقـــَّـف منه ما تَوقف عندما نَضبت القرائحُ وفَترت الهِمَمُ عَن استمرار المشاركة الفكرية والتجريبية، ليس لعلّة في التّراث  ذاته، بل لفَجوات وفُتور في الطاقة الإنسانية عَطَّلت مداراته فوقف حيث هُوَ، مُؤتَمنًا على إبداعات وتجارب ومشاركات ناضجة، هي حصيلة إنسانيّة خالصة مقدَّرَة.

لقد تأسسَ العلم عند المسلمين على مرتكزات منهجية مُقَرَّرة: قامت على منطقِ التساؤل وطلب فَهْم الصّلة العِلِّية بين الأشياء، ووضع القواعد الضّابطة أو الأفكار التمهيدية المقربَة عند تَردّد الرؤية؛ فجهودُهم الجادّة في الطبّ أقاموها على التّساؤلات التي تطلب ماهيةَ المرض، وما سببُه، ولم يداوَى بهذه الأدوية، وما قوةُ كلّ واحد من مفرداته، وما الفائدة من تركيب هذه المفردات، ولِـمَ تستعمل هي بمفردها1.

وقامت على تَـمـثـُّــل قواعد التجربة في العلوم التجريبية، التي يجملها أبو عبد الله زكريا بن محمد القزويني (682هـ) في توجيهه للعالم المجرب "إذا أحب أن يكون من نتائجه على ثقة، أن يَستمر للتّجربة، وإياه أن يَفتر أو يـَملَ، وإذا لم يصب في مرة أو مَرتين فإنَّ ذلك قد يكون لفقد شَرطٍ أو حدوث مانع"2.

وتتكرر مادة "جَرّب" في كتب الطب، وتكثر عند الكيميائيين وخاصة عند أتباع جابر بن حيان الذين يمثلهم في آخر مراحلهم ببغداد كيميائي وَفَد من مراكش، تعلق بآرائه وزاد عليها بما أدت إليه التجربة المستمرة التي كان يُباشرها في المدرسة المستنصرية والنظامية في منتصف القرن السابع الهجري، هو محمد بن ميمون المراكشي الحميري، ثم جاء به الجِلْدَكي من بعده.

والمنهج التجريبي والتّساؤل يؤديان إلى نِشْدان الحقيقة التي لا تتأتّى شروطُها من الفهم وعدم التسليم إلاّ بالبرهان، وتَقْليب الأمر على أوجه الشّك طلبًا لليقين، وهو ما يعبّر عنه الحسن بن الهيثم (توفي بعد 432هـ/ 1040م) في مقدمة كتابه في الشكوك على بطلمْيوس3، فيذكر "أن الحق مطلوب لذاته، وكل مطلوب لذاته فليس يعني طالبَه غيرُ وجوده، ووجود الحق صعب، والطريق إليه وَعْر، والحقائق منغمسة في الشّبهات وحسن الظن بالعلماء في طباعِ جَميع الناس، فالناظر في كتبِ العلماء إذا استرسل مع طبعه، وجعل غرضه فهم ما ذكروه، وغاية ما أوردوهُ، حصلت الحقائق عنده، [و] هي المعاني التي قصدوا لها، والغايات التي أشاروا إليها. وما عصم الله العلماء من الزّلـل، ولا حمى علمَهم من التقصير والخَلل، ولو كان ذلك كذلك لما اختلف العلماء في شيء من العلوم، ولا تفرّقت آراؤُهم في شيء من حقائق الأمور، والوجودُ بخلاف ذلك. فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدّمين، المسترسل مع طبعهِ في حسنِ الظن بهم، بل طالب الحق هو المتّهم لظنه فيهم، المتوقّفُ فيما يفهمه عنهم، المُتّبعُ الحجةَ والبرهان، لا قول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلَّتهِ بضروبِ الخللِ والنقصان.

والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفةَ الحقائق، أن يجعل نفسه خصمًا لكلّ ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمُه من جميع جهاتِه ونواحيهِ، ويتَهِم أيضًا نَفسه عند خصامه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمّح فيه، فإنه إذا سلك هَذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظَهر ما عساهُ وَقع في كلامِ من تَقَدَّمه من التقصيرِ والشُّبهِ".

ومن تقاليد العلمِ ومرتكزاتِه ومناهجه لدى العلماء المسلمين ومن امتزج بهم من علماء الملل الأخرى، أنَّه لا يُحْجَبُ، ولا يعوقُ عائقٌ من تقديم المعارف لطلابها، وتداول بحثه والاجتهاد فيها، ولا يعرف الفوارقَ فيما هو خارج العقائد والدين، وهو تقليد إنساني شريفٌ بدأ مبكّرًا منذ جهد التراجمة الرّواد، واستمر إلى عصور متأخرّة. فهذا ابنُ خُلدون مثلاً يتحدث عن أستاذه المفكّر المميّز محمد بن إبراهيم الآبلي التّلمساني- شيخ التعاليم4 في عصره وأكبر من يدينُ له بالفضل على تنشئته العقلية- يذكر أنه تخفّى بفاس عند شيخ التعاليم من اليَهود، خلّوف المغَيلي، وأنه استوفى عليه فنونها وحَذِقَها، وتحدّث عن اعتماد معاصريه بالمغرب على زَيْج منسوبٍ لابن إسحاق التونسي، يقولون إنّه عوّل فيه على الرَّصد، وأن يهوديًا كان بصقليّة راصدًا وماهرًا في التعاليم، كان يبعث إليه بما يقع من أحوال الكواكب وحَركاتها، فعني به أهل المغرب لذلك لوثاقة مبناه5.

وتعامل المُسلمون مع العلوم على أنها من شأن الإنسان وإليه مردُّها، فهي جهدٌ إنسانيّ خالص يتحرك خارج حدود المقدّس، والتعاملُ معها أخذًا وعطاءً لا يتأثر بالأعراق والأدْيان، وأن تيار الفكر الذي ينتظمها مُتّصل غير مُنْقطع، وأن فجوات الزمن التي تتخلل عصورَهُ لا تعزل فكرةً ولا قاعدةً عن شروحها وتطبيقاتها.

وكُتِبَتْ أهمُّ مصادرنا عن تاريخ العِلْم ورجالِه، فسلَكَتْ كلَّ الأجناس المؤثرة في مسيرة العلم في عَقْدٍ واحد: طبقات الأطباء والحكماء لابن جُلْجُل، وأخْبار الحكماء للقفطي، وطبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة. يبدأ ابنُ جُلجُل وهو أقدمُها بالطبقة العالية الأوليّة بهُرمس، وهو حكيم مصري خرافي كما يقول نللّينو6، ثم هرمس الثاني المنسوب إلى بابل، وتنسب إليه مؤلفات في الصنعة والطب والفلسفة7؛ ثم هرمس الثالث وهو مصري أيضًا؛ وهذه الترجمات الثلاث الغائمة المرتبكة والمحشوة بالأساطير والأخبار المتنافرة في أزمنتها، تُشعر بأن القُدماء كانوا يعلمون أن علماء اليونان كانوا طبقةً تالية في تاريخ المعرفة والعلم، وأنهم استوعبوا معارف الشّرق القديم من مصر والعراق والهند، ثم تبدَّدت وثائق تلك الأصول وتداخلَتْ في أعمال التّالين، ونُسيت مصادرها فلم يُذكَروا.

كتب حنين بن إسحاق العِبادي رسالةً8 في تاريخ الأطباء وزمر من الفلاسفة الذين تكلموا في شيء من الطب، "سأل سائل في مناظرة: أيُّ الأطباء أقدم من بقراط وهو الأول، وجميع الفلاسفة عنه أخذوا ومنه تعلَّموا ولأثره اقتدوا، فأجيب: بأن الأمر ليس على ما يظن، فبقراط إنما آخذ عن العلماء الذين كانوا قبله".

إن القولَ بأن صورة هذا العلمِ العربي في دراساتِ تاريخ العلوم العربية لا يزيد على أنه صورة وصدى للتراث اليوناني الذي هو سند الغرب الحضاري ومرتكز نهضته، هو تجاوز كَريهُ ليس فيه روح الإنصاف، ويحتاج إلى زمن يتواصل فيه الكشف عن مواد تلك العلوم وبحثها وتجلية حقائقها حتى تُعَدَّل النظرة ويستعيد العلم العربي موقعَه الحقيقيَّ في تاريخ العلم باعتباره الطليعةَ التي مهدت للعلم الحديث.

إن المسلمين القدماء كانوا يعرفون أن مصادرَ المعرفة العلمية متعددةٌ، وأن اليونان رغم انتقال أكثر كتبهم الجيّدةِ بالتّرجمة، فإنهم ليسوا أكثرَ من مرحلة تجمعت وتبلورت فيها مفاهيم العلم ووضَحت، ويصنّفون الأمم القديمة بما فيهم اليونان تصنيفًا حضاريًا متدرّجًا في التاريخ، ويَفْصِلون بين الروم ويونان والفرنجة، ولم يكن وقتها قد وُلد مفهوم الغرب بمعناه الحضاري الجامع، ويصنّفونهم حسب التقسيم القديم الذي أورده صاعد الأندلسي9 وعَدَّهم فيه ضمن الأمة الثالثة.

وقد كان الجاحظ يفصل بين حضارة كان سلطانها الثقافيُّ لا يزال سائِدًا في عصره، وهي حضارة الروم البيزنطيين، وبين اليونان، فيسجل عنهم هذا التقييمَ المهم، ويضع حدًا عرقيًا ثقافيًا واضحًا بينهما، يقول: "لو علمت العامُّ أن الرومَ ليست لهم حكمة ولا بيان ولا بُعد رؤية، إلاّ حكمة الكَفّ من الخرط والنَّجْر والتصوير والحياكة، لأخرجتهم من حدود الأدباء، ولَمَحتْهم من ديوان الفلاسفة الحكماء؛ لأن كتاب المنطق والكونِ والفساد وكتاب الآثاء العلوية، وغيرَ ذلك، لأرسطاطاليس، وليس برومي. وكتاب المَجِسْطِي لبطلمْيوس، وليس برومي؛ وكتاب إقليدس لإقليدس وليس برومي؛ وكتاب الطبّ لجالينوس ولم يكن روميًا.

وهؤلاء ناسٌ من أمة قد بادوا وبقيت آثار عُقولهم وهم اليونانيون، ودينُهم غير دينهم، وأدبُـهم غيرُ آدابـهم. أولئك علماءٌ، وهؤلاء صناعٌ، أخذوا كتبَهم لقُرب الجوار وتداني الدار، فمنها ما أضافوه إلى أنفسهم، ومنها ما حولوه إلى مِلَّتهم، إلاّ ما كان من مشهور كتبهم ومعروف حكمهم، فإنهم، حين لم يقدروا على تغيير أسمائها، زعموا أن اليونانيين قَبيلٌ من قبائل الروم... حتى زعموا أن حكماءنا أتباع حكمائهم، وأن فلاسفتنا اقتدوا على مثالهم؛ فهذا هذا10.

هذه إضاءات وإثارات عامة لا يسمح هذا المدخل الموجز بأكثرَ منها، أقمتُها على التذكير ببعض الحقائق ليس إلاّ، ولا تضيف إلى علمكم ما يُذكر، فهي تمهيد يوجز خَبَر الماضي، ليتساءل: لماذا التراث العلمي؟، هذا المبحث الذي اختارته مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي موضوعًا لمؤتمرها الرابع.

لقد لوحظ أن المَخْطوط العلميَّ من التّراث العربي لا يزال مُـحتجبًا، لم يُدرج في سياق المدد التراثي المتدفّق، ولم يألَفْه الباحثون الشبّان لبُعد مصطلحه عن التعامل المألوف في المواد الأخرى، ولصعوبة مُتابعة تفاصيله ورموزه العددية الحرفيّـة؛  ولم تتوضَّح لهم بعدُ مناهج الإفادة منه، وطُرقُ استخدامها لما هي له، من غير تمحّل ولا قَسْر. وسوف يبقى تاريخ العلم العربي الإسلامي متوقفًا على تقديم الوثائق الأصلية من جهود العلماء، التي لا يكتب التاريخ بدونـها.

وهناك بعض ملاحظـات ينبغي أن تُذْكَر، فمخطوطات كتب العلوم محدودة "التناسخ"، لأنّـها مادة عمل ومعرفةٍ لطبقة غير واسعة الانتشار؛ وقد تنقرض أصول المؤلفات المخطوطة المبكرة ولا يبقى لها غير صدىً متفاوت في أعمال الأجيال اللاحقة من العلماء، يتردد في رسائلهم وكتبهم؛ وقد تصلنا نسخةٌ فريدة أو أكثر من عمل كبير رائد، وبداخلها نَقْصٌ سَقط مع بعض الأوراق الضائعة وعَسُر إكمالُه إلاّ بجهد يُبْذل لاسترجاعه من النّصوص اللاحقة المستفيدة منه نصًّا أو مضمونًا؛ وقد تضطرب دلالة النصّ العلميّ خاصة في مجال الرياضيات والفلك، لتحريف الناسخ لحروف الأرقام الدالة على حقائق محـدّدة، ويتيسَّر تقويمها واسترجاعها بفضل الأشكال البُرهانيّة المصاحبة. وهذا وأمثاله نماذج الحالات الممكنة، يجسّم مقدار صعوبات تناول كتب التراث العلمي، التي لا يستطيعها غير عالم متمكن تهيّأت له كل أدوات العمل من الاستطاعة والفهم والمعرفة وحسن النهج.

ولقد بدأ نشر كتب العلوم الصحيحة في أوروبّا، وربّـما كان ذلك مقترنًا بالصحوة العلمية والثقافيّة لذلك العالم وهو يؤسس نـهضته، ويصنع لها الروافد من مختلف الثقافات القديمة القائمة، ومن أهمها الثقافةُ العربية؛ ويُعتبر من بواكير جهودهم في مجال نشر المعارف العلمية، كتاب قانون ابن سينا، المنشور في روما سنة 1593م وعليه استندت الترجمة اللاتينية الصادرة في جزأين؛ وكتاب تحرير أصول الهندسة لإقليدس، الصادر سنة 1594م.

وظهرت نصوص مهمّة في النصف الأول من هذا القرن، طبع الكثير منها في حيدرآباد الدّكن والقاهرة، ولكنها كانت محدودة الانتشار، منغلقةً على النصّ لا تقدّمه ولا تشرح غوامضَه، ولا تُنزّله في موقعه من تاريخ العلم بالمقارنة والتحليل اللاّزميْن. ثم بدأت حركة موفّقة على قلة عدد القائمين عليها، تتلمس طريقها وتتعرّف على النصوص المهمّة المتصلة باختصاصها، وتقدم لها طبعات تحاول فيها أن ترسخ قواعد نشر علمي مستفيدة من المناهج المتّبعة في تحقيق التراث اليوناني واللاتيني خاصّة، وتقـرّب الكتاب  العلمي جهد المستطاع من الباحث المتخصّص، ومن المثقف. وربـّما كانت مخطوطات الطبّ أقربَ الموادّ التي تناولها النشر من غير بحث؛ وصدرت أعمال جليلة في العلوم العدديّة مقدّرة كل التقدير، فقد صدرت مدققة على صعوبة محتواها ومترجمة إلى لغة أوربيّة ومنزّلة في موقعها من تاريخ العلم بفضل الدراسة التي تتصدرها؛ نذكر من أمثلة ذلك أعمال رشدي راشد وعبد الحميد صبره وغيرهما. وظهرت بعض النصوص الفلكية في إسبانيا لها صفة الامتداد الاستشراقي، حيث انصبّت الحواشي والتحقيقات على النصّ المترجم، ويمكن أن نقول مع كل ذلك إن هذه العنايةَ بالتراث العلمي لا تزال في بدايتها، ولكنها بدايات ترعاها جهود ناضجة ونموذجيّة.

ولهذا فإن الحاجة ملحة لتمهيد بعض الصّعوبات الكبرى في طريق الوصول إلى إبراز هذا المقطع المهم من تراثنا المخطوط والعناية به.

وقد يكون من الأولويات أن يُتعرف بدقة على تجارب تحقيق مختلف فروع التراث العلمي وإشكالاته؛ والإفادة من خبرات الاستشراق المختلفة، ومعرفة المناهج التي استخدمتها الأكاديميات الأوربيّة في تحقيق النصوص العلمية اليونانية واللاّتينية.

وهناك مصدرُ استمداد مهمّ لا ينبغي إغفاله، وهو الإفادة من الأصول العربية المعتمدة من مخطوطات العلم، وهي النسخ القديمة المقروءة والمقابلة والمصححة والمجازة، ولها رتبة الوثاقة باعتبارها أصلاً صحيحًا لعالم جليل، تداوله العلماء وعلّقوا عليه، وتأكدوا من صحة مـُحتواه ودَرَسُوهُ ودَرَّسُوه. وأشيرُ إلى نموذج يتمثّل في نسخةٍ أندلسية جيّدة من كتاب المَجِسْطِي لبطلمْيوس الفلوذي11 أنجرَّت من المجموعة الفلكية النادرة التي جمعها الشيخ مصطفى رضوان، وتُحفظ الآن بدار الكتب الوطنية بتونس برقم 7116 وقد كتبت سنة 478هـ بقرطبة عن أصل عورض بنسخة الشيخ أبي القاسم المنجّم، الذي كتبه وصحّحه عن نسخة أبي الحسن الصوفي12، ويُشار في هذه النسخة الصحيحة أن ما في الكتاب من طـرَّةٍ أو إصلاح أو تخريج عليه علامة (ج) فهو للحاج ابن يوسف بن مَطَر13 مترجم المأمون، وما كان فيه من علامة (خ) فهو من أم أخرى.

كتاب بَطلَميوس هذا يُعدّ أساسَ علم الهيئة والجامع لمحصّلة ما توصل إليه علماء اليونان من علم الفلك، والمرجع المعتمد لهذا العلم في العالم الإسلامي المبكر؛ وفي مقالاته الثلاث عشْرةَ ذكرُ القواعد التي يُتَوسَّل بها في إثبات الأوضاع الفلكية والأرضية بأدلّتها التفصيلية والترجمةُ لإسحاق بن حنين بن إسحاق المطببّ14 المتوفى سنة 298هـ/ 910م، وقد نُصَّ في مقدمته أنّ كلَّ ما في أضْعافه وفي شيء منه وموقع منه وفي حواشيه، من شرح وتلخيص وإيضاح وتبيين وتسهيل وتقريب واستدراك وتنبيه وإصلاح وتصحيح، فهو لثابت بن قُرّة الحرّاني15 الصابي المتوفى سنة 288هـ/ 901م.

والمتأمل في دقة النسخة يكتشف إلى جانب صِحَّتها ووثَاقتها أنّـها تمثّل منهجًا في إخراج مثل هذه الكتب العلمية التي تَعْتمد الحروف العددية في براهينها الحسابية، أمّا تلك التي لم يُسْتوثَقْ منها فهي مزالقُ للتحريف والخطأ.

وبمثل هذا الاتجاه التطبيقي المركب من تقاليد علميّة مختلفة، يمكن أن تُخَطَّط قواعدُ جديدة وصحيحة لمناهج التّحقيق والنشر للكتاب العلمي العربي.

ويتطلب التراث العلمي المشتّت في مكتبات العالم: دليلاً تحليليًا جديدًا، بصنْع فهرس شامل على فروع المعارف العلميّة، يدل على جوامع المادة ونُسَخها المختلفة بعد استقراء كلّ الفهارس المطبوعة والمخطوطة والخاصة، وبذلك تضعُ حقيقةُ الحصر الكامل مسؤوليةً واضحةً على مؤسَّسات البحث العربية وغيرها؛ وتؤسّس المادَّةُ مجمَّعَةً مستندًا قويـــًّا لمراجعة الآراء والأحكام الـمُجحفة التي بُنِيَتْ على موادّ محدودة.

وبعد أن أضعنا الارتباط والعلاقة مع المصطلح الراسخ الذي جهد القدماءُ قرونًا حتّى أقروّا دلالَته المحدَّدة، مثلما حصل لمفردات كتاب حشائش ديسقوريدس الذي تُرجم أيام المتوكل العاسي وتعاقب على تحديد معاني مفرداته ومصطلحه إلى أيام جُلْجل بالأندلس16 فإنَّ مما يحقّقه هذا التراث بفروعه الدّقيقة أنّه يتيح الكَشْف عن الرصيد المصطلحي، وعلى صناعة المعجم الّذي يُيَسِّر الاقتباس، سواءً من حيث مناهج التوليد، أو من حيث أداء المفاهيم الحديثة. وهو ما تعالجه مجامعنا التي قطع بعضها في هذا المهمّ أشواطًا؛ وتبدو الأهمية المعرفية للتراث العلمي، بالنظر لما فيه من مقولات قابلة للإحياء، وتجارب صالحة لأن تُعتمد، كما يرى الصديق د. إبراهيم بن مراد .

وإذا كان مؤرّخو العلم والمتخصصون مُلِمّيـن بما يمكن أن يقدمه التراث العلمي من عائد على العلم؛ ومدركين لآفاق خططهم، فإن أكثر مؤرخي الحضارة لم ينتبهوا بعد إلى ما تضمنته مخطوطات العلوم من إفادات مباشرة وغير مباشرة تعنيهم وحدهم، ولها درجة قصوى من الأهمية، ومن الأمثلة على ما أقول: أن ما كتبه أبو الوفاء البَوْزَجـاني17 في المنازل السبع، تضمّن أدقَّ البيانات عن الضرائب ونظام الخراج وأعْطِيات العساكر، مما يُعدّ إضافة فريدة لا توجد في غيره. وأن كتاب التيسير في صناعة التدبير لابن زُهر الإشبيلي، اشتمل على تفاصيلَ مهمةٍ عن الصّراعات الداخلية والدّسائس في أسرة الدولة المرابطية بالمغرب18، وهو كتاب طبّ لا يقصده الباحث عادةً لمثل هذه الإفادات، والأمثلة مسترسلة لو أسعف المقام.

ويبقى جانب مهمّ يتوجّب عليّ الإلماع له، ويتمثل في السؤال عن الصلة الحقيقية بين بعض العلوم الصحيحة التجريبية من جانبها النظري وبين المنجزات العملية التي بقيت من ذلك التراث ممثلة في المعالم التاريخية بأصنافها وإبداعاتها، وفي الفنون الصغرى على مختلف المواد، والتي حُفِظت بقاياها في متاحف العالم وفي المجموعات الخاصة. وأذكر على سبيل التمثيل كتاب أبي الوفاء البوزجاني: "ما يحتاج إليه الصانع من علم الهندسة"؛- وعنوانه مباشر في اختصاصه ولمن هو موجَّه- ولكن نشره كان بحاجة إلى من يكشف بالأمثلة عن العلاقة بين الجانب النظري الواضح والجانب التطبيقي العملي الغائب، وهو القصد من صناعة الكتاب.

وتشير موضوعات العلوم إلى علم عقود الأبنية، وهو من فروع علم الهندسة، أنه "يُتعرّف به أوضاع الأبْنية وكيفية إحكامها، وبناء الحصون المحكمة، وتنفيذ المنازل البهيّة، والقناطر المشيدة، وأمثالها، وأحوال كيفية شق الأنهار، وتقنية القنوات، وإنباط المياه ونقلها من الأغوار إلى النجود19؛ ونعلم أن الإنشاءات الكبرى كانت تُدرس على قواعد العلم وتعدّ لها رسومٌ تُعرض وتكون دليلاً للتنفيذ، كما فعل مهندس جامع ابن طولون الذي صَوّر عمله على رَقّ كما ذكر المقريزي20؛ ويوضح هذا قولُ الجاحظ21 من أن الرقوق كانت "تتخذ لصور العقارات ونموذجات النقوش".

إنّ كل مخلّفات الحضارة ومنجزاتها الكبرى يقف وراءها علمٌ مدروس بأصوله وقواعده وبراهينه، وإن الأجوبة المفسِّرة لكل ذلك تكمن في افتقارنا إلى الربط بين النظرية والمنْجَز، فلم يكن فَنُّ العمارة الكبرى تقاليدَ موروثةً فحسب، تنشأ في ذهن المهندس، ويحقّقها البَنّاء، واقعًا، إن بعض المشاريع المنفّذة محيّرةٌ ودافعة إلى التساؤل المستمر؛ فمخطّط وزخارف مدرسة السلطان حسن في القاهرة، لا شك أنه عملٌ مُهِّد لَهُ ببحوث ودراسات استوعبت تحديد الوظائف المجمّعة، وتعاملت مع الموقع وأجادت الاستفادة من كل خواصه، ورتبت المدارس الأربعة وركبت أدوارها العشرة، وأضفَتْ على المداخل الفخامة في أكبر معانيها، وربطت الواجهةَ الواسعة المتمددةَ بتشكيلات ذاتِ أبعاد رأسية شَدَّتها إلى الأرض، وشرعت عقود الأواوين الكبرى بسعة خمس وعشرين مترًا، وهذا لا يكون إلاّ بحسابات مُسْبقة تستند إلى نظريات الهندسة في تلك الكتب التي نتوهم أنها نظرٌ معزول ليس له تطبيق.

ولعل من أجدى ما يثار القول فيه في هذا الصدد، مما يمكن أن يساعد على خلق وعي جديد بالتراث العلمي، يشد انتباه الجامعات في بلداننا العربية خاصة، هو أن تتبَنَّى بعض المؤسسات القادرة، بالاعتماد على كفاية ثلة من العلماء المجتهدين (بالمعنى الفقهي للاجتهاد)، إصدارَ فَصيلةٍ عربية، يكون من مضامينها:

  • تقديم دراسات تفصيلية تعرّف بمخطوطات العلوم الصحيحة والتجريبية، المهمة منها والنادرة.
  • نشر نصوص قصيرة مختارة في العلوم المختلفة بأدلتها ورسومها، مع ترجمتها ودراستها.
  • نشر فهارسَ أو قوائمَ منتقاة لكتب العلوم، مرتبةٍ على المواد، أو على الأقاليم التي أنتجتها، إبرازًا للمشاركة الحضارية الواسعة.
  • فتح باب المناقشة والجدل حول بعض القضايا.
  • التعريف المفصل بالمواد العلمية غير المنشورة، وإبراز ما تحمله من إضافات لتاريخ العلم.
  • يُسْند تحرير كل باب مختص فيها إلى شخصية علمية معنيّة بالتراث العلمي العربي الإسلامي.
  • تُقدِّمُ نماذجَ ودراسات عن مناهج نشر كتب التراث العلمي.
  • تُعرِّف وتنقد ما صدر من كتب العلوم.
  • تفتح بابها لكل لغة علمية يكتب بـها؛ وللعلماء من مختلف  الجنسيات.
  • تضمن وسائل البقاء وكول النَّفس حتى تصنع مدرسة جديدة تُعنَى بالتراث العلمي العربي وبتاريخه.

وهذا من وجوه الضمان للإفادة من بحث وإحياء هذا التراث العلمي المهم، وجعله يأخذ موقعه الحقيقيَّ بين المشاركات الإنسانية الكبرى في تاريخ الحضارات البشرية.


ملاحظة:
نشر هذا النص في الكتاب التالي:
تحقيق مخطوطات العلوم في التراث الإسلامي: أبحاث المؤتمر الرابع لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي 29- 30 نوفمبر 1997م. _ النسخة العربية، مؤسسة الفرقان بالتراث الإسلامي، لندن، ص 29-76.

يرجى الملاحظة بأن بعض الصور المستخدمة في هذه المقالة المنشورة على الموقع قد لا تكون جزءًا من نسخة المقالة المنشورة ضمن الكتاب المعني
Back to Top