موادُّ صناعة الكتاب المخطوط

شارك:

المراحلُ التاريخية من خلال المصادر الداخلية1

إبراهيم شبوح

محتويات المقال:
أ- المواد المكتوب عليها
1- القراطيسُ المصرية، أو البردي
2- الرَقّ
3- الكاغذ
أنواع الكاغد وصناعته
تقنية صناعة الكاغذ
ب- المادة التي يكتب بها: الأحبار
ج- الأَسْفار
1- أسفار الكتب المبكرة ويُمثِّلُها
2- التسفير (التجليد) المغربي الأندلسي
3- التّسفير (التجليد) المصري
4- التّسْفير (التجليد) الإيراني
5- التّسْفير (التّجليد) التّركي

عندما نزل القرآنُ الكريم على النّبيّ ﷺ في مكّة، كان حوله كتبةٌ يكتبون عنه الوَحْيَ؛ تذكُر كتب السيرة منهم: عثمانَ بن عفّان، وعلي بن أبي طالب، فإن غابا كتبَ أُبَيُّ بن كعب، وزَيْدُ بن ثابت، فإن لم يحضر أحدٌ من هؤلاء الأربعة كتب من حَضَر من الكتّاب، وهم: مُعاوية بن أبي سُفيان، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبانُ بن سَعيد، والعلاءُ بن الحضْرميّ، وحَنْظلة ابن الربيع، وعبُد الله بن سعد بن أبي سَرْح.

وكان أُبيُّ بن كعب وَزْيد بن ثابت يكتبان كُتبَ النّبيّ إلى النّاس. وكان عليّ بن أبي طالب يكتب له عُهوده إذا عهِد، وَصُلْحَه إذا صالَح.

وكانـت الحياة المدنية في عهد الرسول منضبطة بالشروط المكتوبة بَيْن الناس في مبايعاتهم ومعاملاتهم التّجارية، وخـاصّةً ما يـتعلق بالبيوع لأَجل، وبُـيـوع النَّــقْـد. وفي القـرآن الـكـريـم تـنصيـص عـلى ذلـك في قـولـه تـعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة 282] وقوله تعـالـى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ [البقرة 282].

وفي ذلك العهد كان المغيرة بن شُعبة والحُصَيْن بن نُمَير من الذين يتصدّرون لكتابة الـمُدايَنات والـمُعاملات.

وقد انتشرت الكتابةُ العربية في عصر الرسول انتشارًا واسعًا لِـمَا حثّ عليه النّاسَ من طلب العلم؛ ويذكر المؤرّخون كيف عاملَ الرّسولُ أَسْرى بَدْرٍ الذين يجيدون الكتابة بأن جعل فدَاءَهم أن يعلِّم كلُّ واحد عشرةً من المسلمين، وفي هذه المناسبة تعلَّم زيدُ بن ثابت مع غيره من شباب الأنصار؛ وكان عُبادةُ بن الصّامت يعلّم الناس الكتابة والقرآن.

ونَجد في كتب السِّيَر أسماءَ بعض النّساء اللاّتي يُجدْن الكتابَة ويعلّمْنَها بأمر الرسول، كالشفّاء بنت عبد الله.

وكانوا يكتبون اللَّغة العَربية (لغة قريشٍ خاصة) ، ويستخدمون الحروفَ التي نَسْتعملها اليوم، وهي ذات أصل نَبَطي، تطوَّر واقترب من الشكل الحالي في جاهلية الإسلام، كما نراه على النقوش الباقية2.

وقد كتب العربُ القدامى مُعاملاتِهم على موادّ شتَّى، حُفِظت نَماذجُ لها في مَتاحف مختلفة، وبـمَتْحف دار الكُتب المصرية بالقاهرة مجموعةٌ من المواد المتخذة حواملَ للكتابة، تطابقُ ما تفرّدت بذكره بعضُ النصوص التاريخية، وقد عُثِر عليها في حَفْريات الفُسْطاط.

ونعرض بإيجاز لتلْك الموّاد التي جاء ذكْرُها في النّصوص والمعاجم والآثار:

* العظام: جمع عظم، كانوا ينظّفونها ويجفّفونها ويتخذونَها للكتابة لبياضها ووضوح الحبر ولانسياب الأقلام عليها بلا تعثّر، وأهمُّها الـمُسَطّح من ألواح عظام الأكتاف التي يُؤْثرونها لسَعة مِساحتها، وقد وُجِدت عليها بَعْض العُقود المهمّة.

* اللِّخاف: مفردُها لَخْفة، وهي الحجارة البيض العريضة الرّقاق، وفي حديث زيد بن ثابت حين أَمره أبو بكر الصدّيق أن يجمع القرآنَ، قال: فجعلْتُ أتتبَّعه في الرِّقاع واللِّخاف والعُسُب3.

* العُسُب: مُفْردها عَسيب، جَريدة النخل إذا نحِّيَ عنه خُوصُه، وعليه حديث الزُّهْري قال: قُبِض رَسولُ الله والقرآنُ في العُسُب والقُضُم.

* الأُدُم: مفردُها أَديم، الجلد ما كان، والأُدْمة باطنُ الجِلْد الذي بين اللّحم والبَشَرة.

* الرّقوق: مُفْردها رَقّ، الجلْد المرقَّق غَيْر المدبوغ. ويَرد الحديثُ عنه.

* القُضُم: مفردها قَضيم، وهو الجِلْد الأبيض يكتب فيه4.

* الخَزَفُ، ما عُمِل من الطّين وشُويَ بالنّار فصار فَخَّارا. واحِدتها خَزَفة5.

* الكَرانِيف: أُصول الكُرَب التي تَبْقى في جِذْع السَّعف، وتُقْطع منها، الواحدةُ كَرْنافة، وهي أول السَّعف الغِلاظ العِراض التي إذا يَبست صارت أمثال الأكتاف؛ وقد كتب عَليها القرآن قبل جَمْعه في الصُّحف6.

* الـمُهْرَقُ: يُجمع على مَهارق، في اللّسان أنّه ثوبُ حريرٍ أبيض يُسْقى الصَّمْغ ويُصْقل ثمّ يُكْتب فيه7.

هذه الوسائل المتاحة هي أغلب ما يمكن استعماله في بيئةٍ شبْه مُنْعزلة، ولكنّها بيئة تتعاون على حماية ثقافتها ومصالحها بالكتابة والرّواية الشّفهيّة، وأكثر هذه الأسماء مما وَرد ذكره في القرآن الكريم أو الحديث أو في التُّراث الشّعري القديم.

وعندما اتّسعت الدّولة الإسلامية في القرن الأول إلى المشرق والـمَغْرب، واتصَلَ العربُ بالشّعوب ذات التّقاليد الحضارية الرّاسِخة، وحَملوا إليها دعوةَ الإسْلام القائمة على كتاب، هو القرآنُ الكريم المكتوب والمحفُوظ في الصُّدور، بدأَتْ شُؤون الإدارة الإسلاميّة تتعقّد وتتطلب ما يُيَسّر المسيرة، ويَرْبط الممالك القصيَّة ببَعْضها، فبدأَ الفكرُ في القرن الثاني للهجْرة يخترق آفاق النَّـــقْل من ثَـقافة الشّعوب القَـديمة بالتـرجمة، وبدأ الحديثُ يُجمع في مـدَوَّنات، وظهرَتْ بواكيرُ تَدْوين الفِقْه، واتَّسع الأمر فأَصْبح الحاملُ الثّقافي Support Culturel هو الأَمين على حركَة الفِكْر والاجْتهاد وتَسْجيل شُؤون الماضي وتَدْوين إبداعات الكُتّاب والشُّعراء وكتّاب الرّسائل وجُهود الفَلاسفة والأطِبّاء المسلمين وأهل الذمَّة من سائر الأَدْيان والنِّحل. وقد كتبوا بلُغَة القرآن العربية خاصّة، مما جعلَ من التّداخل بين العُروبة والإسْلام أساسًا قَديمًا في تُراثها العربيّ الإسلامي المشْترك، الذّي هو في حقيقته حصيلةُ إبداعات كلّ شُعوب الإسلام. قبل أن تَنْفصلَ بعضُ الشعوب الإسْلامية الكبرى في الكتابة بلغاتها القوميّة، من فارسية، وتركية، وأرْدية وغيرها.

فما هي مواد صناعة الكتاب المخطوط الذي حَمل هذه الثَّقافة طيلةَ قُرون عديدة؟

إن المخطوط من حَيْثُ هو كتابٌ مخطوط ينقسم إلى قسمين، الأول: هو النص والمحتوى، وهذا يتّصل بتاريخ الـمَعْرفة والعلْمِ، وشأنه البحثُ والفهرسةُ والتقديم والتعريف.

والثاني، هو الجانب المادّي، ويتكون من:

أ- مادّةٍ يكتب عليها.

ب- مادَّةٍ يُكتبُ بها النصّ.

ج- أَسْفار تَحفظ صحائف المخطوط من التّلاشي والتّلَف.

* *

أ- المواد المكتوب عليها:

عرف المخطوطُ العربي8 منذ نَشْأته أيّام كتابة المصحف الكريم، ثلاثَ فصائل أساسية تعاونت متآزرة ومنفردة على حفْظ تراثنا المكتوب وخدمة شؤون الدولة السّياسية وشُؤون النّاس الاجْتماعية، من عُقودٍ وشُروط. وهذه المواد الرئيسة الثلاث، هي:

1- القراطيسُ المصرية، أو البردي:

عُرفت صناعة صحائف البردي واتخاذها للكتابة منذ أيام المملكة المصرية الوُسْطى، وكان السمّة الثقافية البارزة في حَضارة قدماء المصريين؛ وقد بلغتنا منه كــميات كبيرة كتبت بالخط الهيروغليفي والديموطيقي والهراطيقي واليوناني، وبالخط العـربي في العـصر الإسـلامي. وقـد فَـرَّق ابـنُ النّـديم9 بين النّبات الأصلي والصحائف المصنّعة منه، فقال: وكتب أهلُ مصر في القرطاس المصري، ويعمل من قصب البردي.

وآشتهرت هذه المادة في النصوص العربية بآسم القراطيس المصرية، كما سماها ابن النّديم، ولم تكن مـجهولة في جزيرة العرب، إذ ذُكرت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ [الأنعام7] وقوله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام 91].

والبردي نبات من فصيلة السَّعْد SOUCHET يَنْبت حول المستنقعات والأنهار، يعرّفه ابن البيطار10 «بأنه نبات ينبت في الماء، وله ورق كخوص النّخل، وله ساق طويلة خضراء إلى البياض، ويتخذ من هذا النبات كاغذٌ أبيض بمصْر، يقال له القراطيس».

وينقل عن ديسقوريدس التسميةَ اللاتينية «بيبر» عند أهل صقلية، وهي التسمية العلمية الباقية «PAPYRUS».

ويُعَرّفه هذا التّعريف الدقيق الذي نقله عن أبي العباس النَّباتي، وهو تعريف مُلاحِظٍ عارف، يقول فيه: «إنّه نباتٌ ينبت في الماء، له ورق كخوص النخل، وسوقه طوال مستديرة خضر في غلظ عصا الرمْح القصير، نحو القامة وأكثر، وهي خوارة متفرقة، تتشظَّى إذا رُضَّت إلى شظايا دقيقة، وفيها قوّة، وعلى أطرافها رؤوس مستديرة ضخمة كأنها رؤوس الثّوم الكُرّاثي، إلا أنّها أضخم، عليها هدب ذهبيّ اللون».

ويتحدّث ابنُ البيطار عن صِناعة القراطيس ويَصفها وصفًا أقرب إلى العمل الحقيقي. وصورة صناعته: أنهم كانوا يقطّعون السِّيقان الطويلَة لهذا النبات بحسب طُول الصّحيفة التي يُريدون تكوينها، ويُنْزع القشرُ الخارجيّ الأخضر عن تلك الأَعْواد، ثم يشّق لبّ البَرْدي إلى شرائح لِيفيَّة تَنْفصِل عادةً بسرعة وباستقامة.

وتقطع قطع أخرى أقل طولا تُكَوّن عرض الصحيفة، ولا تزيد في الغالب عن 30 سنتمترا ليسهل لَفُّها أو وَضْعها في شَكْل صحائف كتابٍ بعد القَطْع.

وتوضع الأَلْياف الطّويلة العَرضية فوقَها بانْتظام ودِقَّةٍ، ألِفَتْ الدّربةَ عليها يَدُ صُنّاع البردي، ثم تُدَقُّ بمطرقة خشبية صَقيلة دقًّا لطيفًا يمكّن من تَلاحُم الأَلْياف المتلاصقة وتَمازجها، ورَضِّ بعض القطع الغليظة النَّاتِئَة حتّى لا تعوق انسيابَ الأقلام والحبر، وتُدْعك بعد ذلك - لزيادة العناية - بقطعة مَلْساء من العاج أو العظم.

ويؤكّد الرّأْي المخبريّ فيما يخص التماسك، أن أَلْياف البردي نفسَها تحتوي على لُزوجة تمكّن من ذلك التماسك بواسطة الضّغط.

إلا أنّ ابن البَيْطار يذكر في مادة «بردي»: أن نَبات «البشْنين» هو الذّي يُحَوّل بالماء إلى لزوجة تُسقَى بها صفحة البردي ليحقّق الالتصاق.

وفي مادة «بـشنين» من كتابه المفردات11 يعرّفُهُ بأنّه نـبـات «اللّوتس» أو «النّيلوفر» اللذان ينبتان في الماء؛ ولم يذكر له خاصية اللّصْق.

وقد كانت هذه الصناعة ذات التقاليد الراسخة إحدى الموارد الإقتصادية المهمة لمصر، وذلك لشُهْرة عـملها وعُـمّالها، ورخص أسعـارها التي لا تُقارن بثـمن الرّقـوق. وقد عدَّ السّيـوطي12 هذه الصنـاعة مـما تـمـيزت به مصر، وهي من أحسن ما كُـتب فيه. ويُـفَـسر البـيروني13 - وهو يعرض إعـجابه بهذه الـمادة وسببِ الإقـبال علـيها -: «لأنّـها لا تـقبل التّـديـلس، لأن الـحـكَّ يُمزقها ويفككها؛ يقول: «إن القِـرْطاس مـعمولٌ بمصر من لُبّ البردي... وعليه صدَرت به كتبُ الخُلفاء إلى قريبٍ من زماننا، إذ ليس يَنْقادُ لِحَكِّ شيء منه وتَغْييره، بل تفسد به».

ونَصّ ابنُ حوقل14 وهو يتحدّث عن صقلّية، «بأنه يوجد في أراضيها بقاعٌ غلب عليها «البيبر»، ويكون ذلك عادةً حول الأنهار والمستنقعات، وأنه لا يوجد فيما يعرف شبيها لبردي مصر، إلاّ ما رآه بصقليّة، إلاّ أنّ أكثره يُستعمل لحبال المراكب، ويُصْنع القليلُ منه قراطيسَ للسّلطان على قَدْر حاجَته ولا يزيد».

وكانت بغداد في عهد المنصور تَسْتورد قراطيسَ مصر وتتخذها مادتها الرئيسة للتسجيل والتوثيق والمراسلات الرسمية والخاصّة. وكان بها دَرْب عُرف بدرب القراطيس، ذكره أكثر من واحد من الكتّاب والعلماء القدامى، كالجاحظ، والطَّبري، والخطيب البغدادي والذهبي15.

وكان بها جماعات نسبتهم «القراطيسي» لاشتغالهم بالعمل والإتّجار في تلك المادة.

وقد وصلنا خبرٌ16 له أكثر من دَلالة، يذكـرُ أن أبا جعفر المنصور مؤسّس بغداد، لاحظ كثرةَ القراطيس الموجودة في خِزانته، فدعا بأحد رجاله وأَمره ببَيْعها لأنّ تحصيل ثمنها أصلح منها، ومن الغد دعاه فقال له: إنه فكر في أن المكاتبات جرت العادة أن تكون في القراطيس، وربما يحدُث بمصرَ ما يمنعُ وصولَ هذه المادة الأساسية، فنضطرّ إلى اتخاذ مادة أخرى لم يتعوّد عُمَّالُنا عليها. لذلك عدَلْت عن أمر البَيْع.

ولهذا السّبب كانت الفُرْس تكتُب في الجلود والرَّق، وتقول: «لا نكتب في شيء ليس في بلادنا».

ولعل هذا ما دَعا الخليفة المعتصم بعد ذلك حين ابتنى مدينة سامرَّاء أن يستقدم لها جماعةً من أرباب الصنائع والمهن، وخصّ قوما من مصر يعملون القراطيسَ فعملوها. فلم تَأْت بتلك الجودة. إذ لم يخرج منه إلاّ الخَشِنُ الذي يتكسّر17.

وقد كان البرديّ مزاحَمًا بالرقّوق، إلا أنها مزاحَمةٌ لم تستطع إقصاءَه، بل كان هو المادة الأكثر استعمالاً لخفّة مؤؤنته، ولو أنه مادة نباتية هَشّة، سريعة التآكل والانكسار عند تَغَيُّر المناخ إلى الرّطوبة العالية أو الحرارة البالغة الجافّة التي تعرّض أليافَة للتصدّع، لذلك كان يحافظ عليه بإيداعه في جِرار صغيرة من فخّار تعرف بالحِباب، أو في خوابٍ كبيرة لحفظ الكميات الوافرة منه. ذكر ابنُ خلّكان18 في ترجمة يَحيى بن معين البغدادي المتوفى سنة 233هـ/ 847م قال: خَلَّف من الكتب مائة قِمَطْرٍ وأربع حِبابٍ تُرابية مملوءةً كتبا.

وَقد استُعملت القَراطيس في شؤون الحياة اليومية في مِصْر وغيرها كما يتَّضح من المراسلات والعُقود والـمُحاسبات التي سُجلت طيلة القرون الخمسة الأولى للهجرة، نشر أدولف جروهمان، أقسامًا تمثلها من برديات دار الكتب المصرية وغيرها.

أما الكتب فهي أكثر تعَّرضا للأيدي والـمُلامسة والتَّداول، لذلك لم يصلنا منها الكثير، ولعل أهمّ ما نَعْرف في هذا الشأن، صحائفُ كثيرة متفّرقة بأحجام مختلفة من القرآن الكريم، ممّا يعني أنّ المصاحف كتبت في المدّة الأولى على قَراطيس البَرْدى.

وأهم ما بقي من الكتب المكتوبة على هذه المادّة، ما عثر عليه في أُدْفو (مصر) من أوراق كـثيرة متداخلة من بينها كتاب متآكل مخرم، مجلد برَقّ ومَلْفوف في قطعة من الكتّان، هو كتاب «الجامع في الحديث»19 لعبد الله ابن وهب، الفقيه المالكي والمحدّث المصري المتوفي سنة 197هـ 712. ويشتمل على 87 وَرقة في مقاس أقرب للمربع. وقد كُتِب على غير العادة في استعمال القراطيس، إذ اسْتُعْمل الصّفْحان وجهًا وظَهْرًا.

ويرجع تاريخ هذه القِطعة إلى آخر القرن الثّاني للهجرة، في حياة المؤلف.

وقد وصلتنا رسائل على البردي حفظت في مصر، ولكنها صدرت من أقاليم أخرى مثل «إفريقيّة»، ولا ندري هل كان البردي يصنع بها وقتها أو هو مستورد من مصر أو صقلية.

2-  الرَقّ

في حالات خاصَّة كان يؤثر فـيـها اسْتعـمال الرقّ، لتـماسُكه وقُدرته على الـمقاومة، وعندما سَيْطر الكاغذ على مجالات الكتابة وأصبحت مصانِـعُه المتطوّرة تغطي كل بلاد العالم الإسلامي بلا استثناء. حافظَ المغاربةُ والأندلسيّون على كتابة بعض مصاحفهم ومدَوّنات الحديث على الرَّقّ، جريًا على عاداتهم القديمة في الحفاظ على النموذج الأول «للمقدَّسات» خَطًّا وشكلاً، إذ صدر مصحف عثمان في نُسَخه المعروفة الموجهة إلى الأمصار مكتوبا على الرق وبالخط اليابس المصطلح عليه بالخط الكوفي.

إن دباغة الجلود وصنع الرقوق تعتبر من الأَعْمال الوضيعة، يَتعاطاها أُمّيون في الغالب، لذلك لم تصلْنا أيُّ وثيقة مكتوبة ومفصّلة تمكّننا من مَعْرفة المراحِل والأساليب التي كانت مُتّبعة في مُخْتلف القرون والبلدان لهذه الصناعة، وبفضل اعتماد منهجية محددة، أمكن مَعْرفة بعض تَقاليد هذه الصّناعة التي كانت شبْه موحدة ولم تتغيّر تغيَّرًا يُذْكر إلاّ في جانبٍ واحد، سنذكره. وهذه المنهجية اعتمدت مرجعين:

أ- معرفة طريقة صُنع الرقوق كما كانت متبعة إلى وقت قريب في مُدُنِ فاسً والقيروان والقاهرة، وقد استَفَدْت شخصيا بسؤال الصنّاع المعنيّين.

ب - الإفادة من التقرير الذي وَضَعه بودية Boudet عن صناعة وبَيْع الجلود في مصر. وهو بحث نشر في كتاب وَصْف مِصْر Description de L’Egypte الذي أعدته وأصدرَتْه الحملةُ الفِرنسية على مصر أواخر القرن 18م. وكذلك ملاحظة أوضاع الرقوق القديمة ومقارنتها بالنماذج الأحدث عهدًا.

إنّ الطريقة المتَّبَعة حسب العادة في صنع الرقوق، هي اختيار الجلود الرقيقة للإعداد، وتكون من جُلود الخِرفان أو الجِداء؛ وفي النادر جُلود الغزلان، ويَنْصح أهل الفنّ بجلْد الضأن المهزول.

وتُستَعْمل طريقتان لإزالة الشعر:

الأولى: وضع الجلود في حَوْض به سائل كثيف من الجير المغلي، واستخراجه بعد ساعتين لانتزاع الشَّعْر منه، ثم يعاد مدّة مماثلة أخرى إلى الحوض نفسه، ثمّ يبدأ غسله جيّدا بصَبِّ الماء عليه من بِئْر المدبغة، ثم ينشر على جذع شجرة غليظ مائل، ويبدأ الرَّقاق في كَشْط الجانب الداخلي، لإزالة اللّحم والعروق بباطن الجلد، وذلك بواسطة سكين محدّب غير قاطع عريض الشفرة، وتظهر براعة العامل في القدرة على المبالغة في الترقيق من غير أن يثقب الجلد. وتعاد عملية الغسيل التام، وتترك الجلدة منشورة بعض الوقت حتى يقطر ماؤها.

الثانية: أن ينقع في مواد تخمير تساعد على التخلص من الشعر، مثل التّمر وفضلات الحمام، ويترك وقتًا أطول، ثمّ يبدأ العمل حسب الطريقة التي تحدثنا عنها، ومزيّة هذا الطريقة أنها تترك في الرَّق بَعْض اللين20.

وتتواصل العملية بعد ذلك. بأنّ يمّرر عليه معجون من النّخالة المنقوعة، ثمّ يغمس في محلول الشبّ، ويبيّض الرَقّ من بَعْدُ بوضعه في سائل مغلي يتكون من دقيق الحنطة وأصفر البيض وشيء من الشبّ لمدة قصيرة، ثم يترك حتى يقطر، ويُشَدّ في الظل بواسطة أعواد تثبّت في أطراف الجِلْدة لتَبْقى مُمدّدةً حتّى يَجفّ. ثم توضع على رُخامة أو لَوْح ثَقيل أملس، وتُمرَّرُ عليها قطعة مُسْتديرة من البُرونْز مرتَفعـة الأطراف تـشبـه الـمكْواة؛ - وتُستعمل هذه الآلة أيضا في صَقْل الورق -، وذلك لتـرطـيب سطـح الـرَّقّ وإزالة بعض الشّوائب التي علقت به من السّقي، ولتمهيد الأجزاء الناتنة التي خلّفها الكَشْط.

وعندما يراد تلوين الرَقّ للكتابة عليه، فإننا نجد في حالة مصحف القيروان الأزرق (الأكحل)  أنهم أضافوا للنّقيع الذي تحدثنا عنه النَّيْلَج21.

وطريقة نَقْعِ الرَّقّ بالنّورة أو الجير طريقةٌ سريعة المفعول، إلا أنّها تزيل منه كلَّ أثر للدُّهْنية، ليصير شديدَ الجفاف، وقابلاً للتصدّع والانكسار مع الزّمن.

هذا ما يتَّخذونَه لإعْداد رَقّ المصاحف التي يحرصون على جَمالها وجعلها ناصعة البَياض، لتظهر عليها إلى جانب الخط الكوفي تلك النقاط الحمراء والخضراء والصفراء، التي يَرْمزون بها لحركات النّحو والهمزات.

ويُختار رَقّ المصاحف عادةً - كما يُلاحظ- من أواسِط الجُلود لاستخراج الصّحائف بدون عيب.

أمّا الرَّق الذي يعدّ لكُتب العلم، فإنهّم لا يَسْقونَه في الغالب، أو يَقْتصرون على تَبْييض أحدَ وجهيه في حالات نادرة، ويكتفون بتَجْفيفه بعد الكشط. بحيث تظهر فيه أحيانا أصولُ شَعْر الحيوان، كما أنهم لا يختارونَه من القطع الكاملة، فقد تصادفنا في الكتب القديمة قطعة صغيرة أقل مِساحةً من الـحجم الأصلي للكتاب، تُـحْفظ وتُـستعمل وتُـدْرج ضمـن الكُرَّاس، أو صفحة مُقْحمة بين صَفْحين بإيجاد طَيّةٍ تَسْمح بخَيْطها ضمن كراس الكتاب؛ أو قطعة من فَخِذ مُنْحرفة الشكل، أو صفحة مثقوبة بضَرْبة سكين المُرَقِّق، ونجد الكتابة تلتفّ حولها، إلى آخر الأشكال غير المنتظمة.

أما قَطْعُ الرَقّ وإعداده، فإن الكِتاب يَعتمد في الطيّ دائمًا اتخاذَ موقع العَمود الفِقَري للحيوان خَطًّا فاصلا للطيّ، وذلك تماشيا مع طَبيعة المادّة وانْسيابها.

هذا ويَشترط الفقهاءُ أن يكون مصدر الرَقّ قد ذُبِحَ ذَبْحًا شرعيًّا، وليس جلدَ جيفة أو مَخْنوقة، حتى يكون طاهِرًا مهّيئًا لاسْتيداع الحرف العربي وخاصة النص القرآني.

وكما أشرنا بأنه كان ببغداد دَرْبُ القراطيس، فقد أبقت لنا المصادرُ التاريخية عن قُرْطبَة اسمَ رَبْض الرقّاقين بأحد أحيائها، وهو قريبٌ من باب العطّارين، وكذلك بمصر ذات المركز العلمي المهم، وكانت القيروانُ أيضًا من مراكز صّنّاعة الرق، حيث أنّها محاطة بمناطق رعوية تمدّها، وتنتشر فيها دور الدبغ التي تتولى هذه الصناعة. ولقد ظلت تقاليد استعمال الرق قائمة فيها إلى وقت قريب، إذ يُعتمد في كتابة عقود الزواج وعقود الملكية خاصّة.

وتراجعت صناعة الرقوق في أكثر بُلدان العالَم الإسْلامي، عدَا المغرب الذي بقي أكثرَ حِفاظا كما أشرنا، تراجعَتْ أمام انتشار الوَرَق وتيسُّر أسعاره لكل النّاس، حيث أصبح صناعةً مبسَّطَة معروفة.

لقد وصلتنا مجموعات وافرة من التراث المكتوب على الرَقّ، تسمح بإقامة دراسة «كوديكولوجية» دقيقة عن هذه المادة، وأشهر الموجود منها مجموعات من المصاحف الكامِلة وأجزاء المصاحف، يبدأ تاريخها من آخر القرن الثاني الهجري، ونماذجه في صنعاء والقيروان والقاهرة أصالةً وإستانبول ومكتبات أوربّا جمعًا وحِفظًا، واستمرّت إلى عَصْر غرناطة في القرن التاسع الهجري، بعد أن تحوَّل المغاربة من كتابته بالخطّ الكوفي إلى الخطّ النسخي.

ومع وجود صحائفَ من مصاحف قديمة كُتب بعضها بالخط الحِجازي (صنعاء - القيروان)  قد ترجع إلى أوائل القرن الثاني الهجري (8م) ، فإن تاريخ بعض المصاحف الكاملة على الرقّ والباقية إلى اليوم، تقريبية اجتهادية، قد ترتدُّ إلى بداية القرن الهجْري الثّالث (9م)  بما في ذلك المصاحف المنسوبةُ خطأً وتدليسًا إلى كبار الصحابة، والتي عنتْ أولَ أمرها أنّها على طريقة مصحف الخليفة عثمان، فظُنّ بعد ذلك أنّها مصحفُ عثمانَ ذاتُه. (من ذلك مصحف طوبقبوسراى، مصحف الإمام الحسين - مصحف القيروان) .

أمّا الكتب، فتوجد مجموعات كبيرة من الأجزاء المكتوبة على الرق، لا يزيد الجزء الواحد منها عن 24 ورقة، وهي تقسيمات صغيرة لأبواب الكتاب الواحد الكبير، فمن الأمثلة: كتاب المدونة في الفقه المالكي، التي رواها فقيه المالكية بالمغرب سحنون بن سعيد عن ابن القاسم عنَ مالك، يُكتب كلّ باب في جزء، فنجد منه كتاب اليبوع، وكتاب الحج، وكتاب الدّيات؛ وكلٌّ منها في جزء مستقل، ويسجل على الصفحة الأولى اسم الكتاب والمؤلف والرّواة، وتحته نسبة الكتاب لمالكه المستفيد منه.

والتواريخ المسجلة على هذه الأجزاء يرجع إلى منتصف القرن الثالث الهجري، ووصلتنا أجزاء مؤرخة في سنة 290 وبآخرها سماعات أحدث عهدا.

ونجد بعض الكتب على الرقّ مما يعود إلى القرن الخامس الهجري تشتمل على الثلاثمائة ورقة مجمعة في جلد واحد، مما يعني تطوّر صناعة الرَقّ والقدرة على التحكّم في أوضاعه رغم سماكته ويبوسته وقرقعته، وأشهر هذه الكتب الباقية نُسَخُها كتاب الموطأ خاصة.

ونعيد الإشارة بأن أغلب صحائف الكتب المكتوبة على الرقّ التي وصلتنا - عدا المصاحف وبعض الموطّآت - غير مسقية ولا مَصْقولة ولا مبيّضة، بل تُستعمل بوضْعها وبلونها الطبيعي.

3- الكاغذ

أقدم الإشارات التاريخية التي وصلتنا عن علاقة العالم الإسلامي بالكاغذ ذكرها ابن النّديم22 ، وهي إشارة محيرة لأنّها تجمع رويات مختلفة لقصة هذه المادة، يقول: «يُقال إنّه حدَث في أيّام بني أُميّة، وقيل في الدَّوْلة العبّاسية، وقيل إنّه قديمُ العَمل؛ قيل إنّ صنّاعًا من الصّين عملوه بخُراسان على مِثال الوَرق الصّيني».

وأكّد الثّعالبي23 الجزء الأخير من الرواية نقلاً عن مصدر قديم، فقال: «وقع من الصّين إلى سَمَرْقَنْد في سَبْي سَبَاهُ زيادُ بن صالح في وقعة أَطْلح من يَصْنَع الكواغِد، ثم كثُرتِ الصنعة واستمرَّت العادةُ حتّى صارت مُتَّجَرًا لأهل سَمَرْقند، فعمَّ خيرها والارتفاق بها في جميع الآفاق».

وكان السَّبب في هذا الإحْتـكاك الحَضاري مع الصّين، أن أبا مسلم الخراساني وَجَّه قائدَه لما وراء النهّر، زيادَ بن صالح لمقاتلة الصّينيين الذي ذهبوا لـمساعدة أمراء الأَتْـراك، وبخاصة آل الإخْشيد بفَرْغانة وسَمَرْقند، فهزمَهم في موقعة أَطْلح وأسَّروا منهم عدَدًا فيهم الكثير ممَّن يُجيد صناعة الورق، فنَشروا صناعتهم في سمرقند، وذلك سنة 133هـ/750م.

وفي سنة 179هـ/795م الخليفة هارون الرشيد الفضلَ بن يَحي إلى الدَّيْلم لقتال يحيي بن عبد الله بن الحسن بن الحسين. فمرّ بخُراسان وشاهَد ما بسَمَرْقند من أَرْحِية الوَرَق - فأشار باتّخاذ مثلها في العراق بَعْد رجوعه في آخر السَّنة المذكورة24.

ويذكر ابنُ خَلْدون25، أنه لمَّا كثر التَّأليف والتّدوين، وكثرت المراسلات الرسمية باتساع نظام الدولة وحدودها، ولم يعد الرَقُّ يستجيب لكلّ المطالب، أشار الفضلُ بن يَحيى بـصنَاعة الكاغِذ، فـتـمَّ ذلك، وبلَغوا فيه درجة عالية من الجودة والإتقان، وزادَ في أهميّة الوَرق ذلك القرارُ الذّي اتخذه الخليفة هاروُن الرشيد، حـيث أمر ألا يُكتب المصحفُ الشَّريف إلاّ في الكاغِذ بدلاً من الرَقّ، لأن الرّقوق تَقْبل المحو والإعادَة فتقبل التّزوير، بخلاف الوَرَق الذّي يتَّضح التّغيّر فيه بالـمَحْو أو الكَشْط.

ومع انتشار هذه الصناعة في بَغْداد وغيرها، فقد بَقي وَرَق سَمَرْقند مُتَميِّـزًا بمادَّته وإتقان صناعته، لكثرة المياه ووفرة القِنّب، وقد عدّد النّويري26 مزايا هذا الورق مقارنةً بمواد الكتابة الأخرى، فقال: «إنّ من خَصائص سَمَرْقَند الكواغذُ التّي عَطَّلت قراطيسَ مصر والجلودَ التي كان الأوائل يكتبون عليها، لأنها أحسنُ وأنعمُ وأَرْفقُ وأرقُّ».

ونَوَّه الجاحظُ بكاغذ سَمَرْقَند، وتحدّث في إحدى رسائله27 كيف بدأ الناس ينتقلون من استعمال الرّق إلى الكاغذ، مسجَّلا فضلَ الورق الصّيني والكاغِذ الخُراساني على الرُّقوق، «لأن الرُّقوقَ ثقيلةُ الوزن، إذا أصابها الماء فسَدت، وإن كان يومًا رَطْبا استَرْخت وتَمدّدت، وإذا جَفَّت تفقد صِقالَها، وتتقبّض وتتَشنّج، وأصبحتْ رائحتُها كريهةً. وثمنها مُرتفع، ويُغشّ النّاس بتحديد مواقع صِناعتها على غير حقيقة الأمر، وتُسرع إليها الصّفرةُ وتتساقط الكتابةُ من صَفحاتها. وإذا أرادَ صاحِبُ علم أن يأخذَ معه ما يكفيه في سَفره فقد يحتاج إلى حِمْل بعيرٍ، ولو أراد مثل ذلك من الورق القطني لكفاه ما يحمل مع زاده».

وهذا من الجاحظ أسلوب ذكيّ للدّعوة لاسْتعمال الوَرَق والتّرغيب فيه، ونحن نعلم أن غالبَ كُتبه سجَّلها على الوَرق الصّيني أو الخُراساني.

إنّ بعض أَوْراق الكاغذ القديمة التي قد ترجع إلى أواخر القرن الثاني للهجرة موجودة ظنًا، لأنها لا تحمل تاريخا لتدوينها يساعد على نسبتها لزمن معين، وإنّ من أقدم المخطوطات التامّة المؤرخة المحفوظة إلى اليوم، أثران مهمَّان من القرن الثالث الهجري:

1- : رسالة الإمام الشّافعي برواية تلمـيذه الربّـيع بن سليمان28 ، وهي نسخة قيمة على ورق قُطني مصري، تاريخها سنة 265هـ، محفوظة بدار الكتب بالقاهرة برقم 41 أصول فقه.

2- : كتاب مسائل الإمام أحمد بن حنبل، المحفوظ بالمكتبة الظاهرية في دمشق برقم 334 حديث. مؤرخ في سنة 266هـ/855م.

أنواع الكاغد وصناعته:

سَجَّل لنا نَصُّ ابن النديم29 - رغم غُموضه وتردّده في تحديد تاريخ وجود الوَرق الخُراساني -، أنَّه على ستّة أنواع: السُّليماني، والطَّلْحي، والنُّوحِي، والفرعوني، والجَعْفري، والطَّاهري.

وفيما عَدا الفِرْعَوْني، فإنّ هذه الأنواعَ منسوبةٌ إلى أشخاصٍ ممّن حَكَموا خُراسان.

* فالسُّليماني: منسوبٌ إلى سُلَيمان بن راشد، صاحب الخَراج في خُراسان أيّام الخليفة الرّشيد30.

* والطَّلحي: نسبة إلى طلحة بن طاهِر الثّاني، من أُمراء الدّولة الطّاهرية بخراسان، وقد ولي الحكم من 207 - 213.

* والنُّوحِي: ربمّا كان نسبةً إلى نُوح السّاماني، من أُمراء الدّولة السّامانية التي حكمت تركستان وفارِس.

* والفِرْعوني: اسمٌ أُعطيَ لنوع من الورق ليُنافِس البرديَّ المصري فيما يَظْهر.

* والجعْفري: نسبةً إلى جَعْفر البَرْمكي الذّي نكب مع البرامكة سنة 187هـ/802م.

* والطّاهري: نسبةً إلى طاهِر الثّاني، من أُمراء الدَّوْلة الطَّاهرية في خُراسان الذّي حكم سنة 230هـ إلى 248 (844 - 862م) .

ووصلت إشارات تاريخية أخرى إلى أصناف من الوَرَق، منها:

* الجيهاني: نسبةً إلى جيهان، مدينةٌ من مُدن خراسان31 .

* المأْموني: نسبةً إلى المأمون بن الرّشيد، الخليفة العباسي32 .

* الـمَنْصوري: نسبة إلى منصور بن نصر الكاغِذي، من أهل سَمَرْقند، توفيّ سنة 423هـ، وكان أحدَ مشاهير الصُنّاع المجودّين في هذا الفن33.

* البغدادي: كاغذ جيّد أثنى عليه القلقشندي34 ، وذكر أنه أعلى الأجناس، ووصفه بأنه «ورق ثخين مع ليونة ورقَّة حاشية وتناسب أجزاء، وقَطْعُه وافرٌ جدًا، ولا يكتب فيه في الغالب إلاّ المصاحف الشريفة. وربما استعمله كُتّاب الإنشاء في مكاتبات القانات ونَحْوها».

وتوجد تراجم لعدد كبير من الكاغَذيّين الذين يَتعاطون صناعة الكاغذ أو ينحدرون من آباء كان ذلك عَملُهم. فهذا أبو الحسين بن ناصر الكاغذي المعروف بالدّهقان «يُنْسب إليه الكاغذ الحَسن الذي لم يَلْحقه من سَبقه في جَوْدة الصَّنعة ونقاءِ الآلة وبَياضها»35.

وفي تراجم36 رجال سمَرْقَند كثيرٌ ممن يحمل اسم الكاغَذِيّ ويُذْكر بين الجيدين في صناعة الورق.

وعُرِف الورق الشّامي بأَصْنافه النَّقيَّة، وكان من مراكزه المهمة مدينة طَرابُلس الشّام. وقد زَارها الرحَّالة ناصر خِسْرو سنة 428هـ وقال: «إنّهم يَصْنَعون بها الورق الجميل، مثل ورق سَمَرقند، بل أحسن منه»37.

وعرفت أيضًا بهذه الصناعة منذ القرن الرابع الهجري مدينة طبرية، ومدينة دمشق التي أثنوا على وَرقها كُلَّ الثنّاء. وكانت تصدره إلى أوربا، وعرف هناك باسم Charta Damascina. وقد أدخلوا على وَرقهم بعض التحوير في مواد الصناعة الأولية، بأن أضافوا الحريرَ إلى الخِرَق البالية، ويذكر أن الذّي قام بهذا العمل صانِعٌ اسمه يوسف بن عمرو.

وكانت حَلَب من المراكز المهمَّة أيضًا، وقد حافظ أحدُ أحيائها على اسْم الورّاقة، لما كان فيه من مَصانع الوَرق، وكذلك اشتهرت حَماه ومَنْبِج.

وفي القَرْن الثّامن الهجري، انتشر الورق الإيراني فتدَهْورت صناعةُ الورق الشّامي، الذّي اعتبره القَلْقشندي دون الوَرق البَغْدادي في الرُّتبة، وقسَّمه إلى نوعَيْن: الحَمَوِيّ، وهو أصغر من قَطْع الوَرَق البَغْدادي، والشَّامي كما عَرّفه، وهو أصغرُ قطعًا من الحموِيّ.

ويذكر المقريزي38 عن مِصْر أنه كان بالفُسْطاط في عَصْره وَرّاقات يُعمل فيها الورق، ومطابخ أخرى يُصْنع فيها الورقُ المنْصوريّ مخصوصة بالفُسْطاط دون القاهرة، وأشار في موضع آخر إلى خان الوَرّاقَة.

أما القلْقَشندي39 فقد اعْتَبر الورقَ المصريَّ في عَصْره أقلّ شأنًا من الشّامي، وقَسَّمه حَسْب القَطْع إلى نوعَيْن: القَطْعِ المنْصوريّ، وقَطْعِ العادة، والمنْصوريُّ أكبرُ قطعًا، وقلَّما يُصْقل وَجْهاه جمعيًا، أَمّا العادَة، فإنّ فيه ما يُصْقل وَجْهاه، ويُسَمّى في عُرْف الورّاقين الـمَصْلوح. وغيرُه عنْدهم على رُتْبتين: عالٍ ووَسَطٍ، وفيه صنفٌ يُعرف بالفُوّي صغيرُ القطع، خشِنٌ غليظٌ، خفيف الغَرْف لا يُنتفع به في الكتابة، يُتّخذ للحَلْوى والعِطْر ونحو ذلك.

وحتّى القرن الخامس الهجري ازدهرت صناعةُ الورق في إفريقيّة والمَغْرب والأَنْدلس وصقلّية، ومن هُناك دخل أوربَّا وعُرِفت صناعَتُه. واشْتهر ورقُ شاطِبة بالأَنْدلس، وفيها يقول الجغرافي الشريف الإدريسي40 : «إنّه يُعْمل بها من الكاغِذ ما لا يُوجد له نظير». واعتبرها ياقوت الحموي41بأنها مركز تمويل سائر بلاد الأندلس بالكاغذ الجيّد.

ولم يَفُت القلْقَشنْدي. وهو يُصَنّف لنا مراتب أنواع الكاغذ في عَصْره، أن يعتبر ورق بلاد المَغْرب والفِرنْجة في القرن 8، 9 للهجرة رديئًا جدًّا، سريعَ البِلى، قليلَ المُكْث ولذلك يكتبون المصاحفَ غالبًا في الرَّقّ على العادة الأولى، طلبا لطول البقاء.

وفي هذا الحُكْم على الورق المَغْربي كثيرٌ من قِلّة الإنْصاف، فلدينا نماذج مـهمـة ترجع إلى عصره، غايةً في الجَوْدة ودّقـة الصنع والرقَّة؛ حتى أنهم كانوا يلوّنون هذا الورق باللّون القِرْمزي وبالأَزْرق زيادةً في التأنّق وطلب التميُّز، ويُكتب عليه بالذَّهب فيُشْبه الرَّقّ المصقول في صَفائه وثَباته، وتماسُك ألْيافه، ونموْذج ذلك نَجده في مُصْحف الأمير أبي زكرياء الحَفْصي المحبّس على جامِعه بتونس، والمحفوظِ في مكتبة باريس الوطنيَّة.

وكما لاحظنا في هذا العَرْض أنّ الورقَ يرتكز على عُنْصرين يصنِّفان منزلَتَه، هما: نوع الصّناعة والسَّقْي، والقَطْع والأَبْعاد.

وقد عرض القلْقَشندي42 أصنافَ هذا القَطْع في زمانه، بحساب الذراع والأصابع.

ونشيرُ إلى أن مَدارس الوَرق الإسْلامي انطلقتْ من تَجْربة سمرقَنْد النّاضجة، ومَرَّت إلى بغداد عاصمة العبّاسيين، ومنها عرفَتْ طريقَها إلى كلّ الأصقاع الإسلاميّة، ثم إلى أوربّة، وتفخر هذه المدارس بالجُهْد النّوعي الذي أسهمَتْ به كلّ من إيران وتركيا في حِقبٍ مختلفة، وكان هذا الإسْهام واضحًا في مُسْتوى التّصنيع الفاخر الذي عُرِف في هذين المدرستَيْن.

تقنية صناعة الكاغذ:

اعتبر القدماء أن صناعة الكاغذ كصناعة ترقيق الجلود، من المهن غير النظيفة، لذلك، ورغم كثرة المتعاطين لها، فإنها لم تُفْرَد بالتوثيق، عكس ما حصل للتجليد وصناعة الحبر والخط.

وقد ظلّ فنّ صناعة الكاغَذ غامضًا يحتفِظ بكثير من أَسْراره، وأمكن بالتحليل المخبري تـحديد بعض التقنيات الخاصة بالتلوين، وصنع العلامات المائية، ومعرفة المواد التي صنع منها الكاغذ، والاستدلال على طريقة السّقي والصّقل بفَضْل ملاحظة الآثار الباقية.

وتوجد إشارات قليلة تتصل ببعض العمليات الصّغيرة في هذه الصناعة؛ إلا أنه بمساعدة عمل واحد قام به كاتب إفريقيّ تونسي مجهول، عاش في منتصف القرن الخامس الهجري، ويدلّ أثَرُه أنّه كان يحسن كل عملّيات صنع الكتاب، من صناعة الورق والحبر والتجليد، ومعرفة ما تمحى به الدفاتر إلى غير ذلك، هذا الكاتب الصّانع المجهول صنع كتابًا موجزًا، قدّمه للأمير تميم بن المعزّ بن باديس43 صاحب لمهديّة، ويعتبر أهمّ وأقدم عمل في نوعه. وسمّاه عمدةَ44 الكُتّاب وعُدّة ذوي الألباب، وجاء على أقدم نسخة عرفناها منه، تعود إلى آخر القرن الخامس تقريبا أنّه: «ممّا أُلّف للأمير الأجل باب العزّ بن باديس صاحب المهديّة»، وقد خصص الباب الحادي عشر من كتابه لعمل الكاغذ وسَقْيه، نعرضه لأهميته45 قال:

«[تأخُذُ القِنَّبَ الجَيّدَ الأبيَضَ، فَتُنَقّيهِ مِن قَصَبِهِ وتَبُلُهُ، وَتُسَرِّحُهُ بِمِشْطٍ حتّى يَلينَ، ثُمَّ تَأخُذُ الجيرَ فَتَنقَّعُ فيهِ لَيلَةً إلَى الصَباحِ، ثُمَّ يُفرَكُ باليَدِ، ويُبسَطُ في الشَمسِ حتَّى يَجِفَّ نَهارَهُ كلّهُ، ثُمَّ يُعادُ في ماء الجيرِ، غَيرِ الماء الأوّلِ اللَّيلةَ الـمُقبِلَةَ إلى الصَّباحِ، ثُـمَّ تَفرُكُهُ كفَركِكَ الأوَّلِ، لَيلَةً، ويُبسَطُ في الشّمسِ. إفعَلْ بِهِ ذلِكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ أو خَمسَةً أو سَبعَةً. وإن بَدَّلتَ ماء الجيرِ كلَّ يَومٍ مَـرَّتَـينِ كانَ أجـوَدَ فَإذا تَنَاهى بَياضُهُ قَطَّعتَهُ بالـمِقراضِ صِغارًا صِـغارًا، ثُـمَّ انقَعْهُ سَبَعَةَ أيامٍ في ماءٍ عَذب أيضًا، وتُبَدّل لَهُ الماء كلَّ يَومٍ فَإذا ذَهَبَ مِنهُ الـجيرُ دَقَقتَه في الهاوَنِ دَقًّا ناعِمًا، وهو نَدِيٌّ، فَإذا لانَ ولَم يَبقَ فيهِ شَيءٌ مِنَ العُقَدِ أخَذتَ لَهُ ماءً آخَرَ في إناءٍ نَظيفٍ، فَحَلَلْتَه حتّى يَصيرَ مِثلَ الـحَريرَةِ، ثمّ تَعمَدُ إلى قَوالِبَ عَلى قَدرِ ما تُريدُ وتَكونُ مَعمولَةً من السَّلِّ السّامان والـمِسمارِ، وتَكونُ مَفتوحَةَ الـحيطانِ، ثمّ تَعمَدُ إلَيها، فَتَنصِبُ تَـحتَها قَصرِيَّةً فارِغَةً، وتَضرِبُ ذلِكَ القِـنَّبَ بِيَدِكَ ضَربًا شَديدًا حَتّى يَختَلِطَ، ثمّ تَقذِفه بِيَدِكَ وَتَطرَحهُ في القالِبِ، وَتُعَدِّلُه لِئَلاّ يَكونَ ثَخينًا في مَوضِعٍ رَقيقًا في عمدة الكتاب. مَوضِعٍ.

فَإذَا استَوى وصَفي ماؤُهُ، أَقمْتَه مَنصوبًا بِقالَبِهِ، فإذا أتَيتَ عَلى ما تُريدُ مِنه نَقَضْتَهُ على لَوحٍ، ثُمّ أخَذتَهُ بِيَدِكَ، وألصَقْتَهُ على حائِطٍ [نظيف مملّس]، ثمّ عَدِّلْهُ بِيَدِكَ، واترُكْهُ حتّى يَجِفَّ ويَسقُط.

ثمّ خُذْ له الدَقِيقَ الناعِمَ النَقيَّ الحُوّارى والنَشا نِصفَينِ، فَيُهرَسُ لَهُ الدَقيقُ والنَشا في الماء البارِدِ، حَتّى لا يَبقى فيهِ ثِخَنٌ، ثمّ يُغلى بماء، حتّى يَفورَ، فَإذا فارَ، صَفّيتَهُ عَلى ذلِكَ الدَقيقِ، وحَرّكتَهُ، حَتّى يَسكُنَ ويَرِقَّ، ثمّ تَعمَدُ إلى ذَلِكَ الوَرَقِ، فَتَطليها بِيَدِكَ، ثمّ تُلقيها عَلى قَصَبَةٍ فَإذا طَلَيتَ جَميعَ الورقِ، وجَفَّتِ الوَرَقَةُ، طَلَيتَها مِنَ الوَجهِ الآخر، ورَدَدتَهُ عَلى لَوحٍ ورَشَشتَ عَليهَا الماء رَشًّا رَقيقًا، ثمّ تَجمَعُهُ، وتَرزُمُهُ، وتَصقُلُهُ، كما تَصقُلُ الثَوبَ؛ وتَكتُبُ فيه]» .

إن هذا النصّ المهمّ يمثّل الصّورة القديمة البسيطة لصُنْع الكاغذ كما عرفَتْهُ إفريقيّة وأكثر مراكز العالَم الإسلامي، ولطريقة السَّقْي ثم الصّقل، وقد عرَفتْ إفريقيَّةُ والمغربُ والأندلس بعد ذلك تقاليد وتقنياتٍ أكثرَ تطورًا في هذه الصّناعة.

فقد عدّدوا المواد الأولية، فلم تقم على «القِنّب» الذي وَجّه إليه النّص، وإنما توسَّع الأمر ليشمل الكِتّانَ ونَبات الحَلْفاء والـخِرَقَ البالية والقُطْن.

وتحوَلت الوسائلُ من الدقِّ في الأَجْران بعد التقطيع، فأصبحت تُخَصّ الموادُّ بنَقْعها مُدَّةً، ثم تدور عليها أَرْحِية الحَجَر القائمة على الأنهار، فقد ذكر ابن أبي زَرْع46 أن بمدينة فاس وحدها أربعمائة حجر لعمل الكاغذ.

أما وسائل السقي فقد ذُكِر لها أكثرُ من وَصْفة. بعضها يقوم على استخدام النّشا المستخرج من القمح. أو الأرز. وقد تُلَوّن مادة السقي بالزعفران والتّبْن المغلي للتعتيق أو التجميل.

* *

هذه بعض البيانات عن «الحوامل» «Supports» المعروفة التي يَسرَّت تطوير الفكر الإنساني، وكان للمسلمين دور كبير في نَقْلها والإضافة إليها والتعريف بها، ونَشْرها.

* *

ب- المادة التي يكتب بها: الأحبار

اهتم العلماء المسلمون منذ القرن الثالث الهجري بتدوين بعض الوصفات الخاصة بإعْداد الـحبْر، إن تـقاليد صناعة هذه الـمادة قـديمة جدًا، عرفها الصـينيون وانتشرت في بلدان الشرق القديم، وجَدَّت تجارب جديدة أضافت الكثـير إليها في العصــور الإسلامية المبكرة. وقد اسـتقصت بــعضها47 Zerdoum bat Yehouda. ولكنها لم تطّلع على غير كتاب «عمدة الكتاب» الذي وضع في القرن الخامس الهجري، ولم تطلع على الجهود والمعايير المتبصرة والبراعات الكيمائية التي استخدمت في مَزْج الألوان، وحل الأصباغ الصعبة واستعمالها للكتابة، كالذهب والفضة، لذلك لم تُنْصف الشّعوب الإسلاميّة فيما صنعته في هذا المضمار.

إن المصادر التاريخية عن هذه المادة جاءت على نوعين:

* نوع ورد مفرَّقًا، ذكرتهُ بعض الكتب القديمة في سياق أَخْبارها، وهذا عامّ في أكثر تُراث المشرق المكتوب.

* ونوع أفرد بتآليف مستقلة أو بأبواب من تآليف؛ وهذا يكاد يكون خاصا بأهل المغرب والأندلس، وأكثر البيانات لا تزال مخطوطة.

ويتكون الحِبْر أساسا من موادَّ رئيسةٍ ملازمة في الغالب، وبها يتكوّن قانون تركيب الحبر، هي:

* الماء العذب Eau douce

* العفص Noix de galle

* الزاج Vitriol

* الصمغ العربي Gomme Arabica

وقد نَبّه القضاعي الأندلسي48 إلى ضرورة الأَخْذ بالقواعد والنِّسب المقررة في تركيب الحبر، لأنّ العفْص إذا زادَت كميّته أسرَع إلى الكتابة الخَرْق. ومَتى زاد الصّمغ التصقَت الأوراق ببعضها. وإذا زادَ الزّاج أحرقَ الكتابةَ.

وتحدّث عن خواصّ هذه المواد في تَرْكيب الحبر، معتبرًا أن مادّة العَفْص، ثم بعده الصّمغ، ثم بعده الزّاج.

وتُقَسّم الأحبار إلى أربعة أصناف:

* المطبوخ: وَيتكون من: جزء من العَفْص. ربع جزء من الزّاج. جزء من الصّمغ، ثلاثة أجزاء من الماء.

* الـمَعْصور، وَيتكون من: جزأين من العَفْص، جزء من الصَمْغ، عُشر جزءٍ من الزّاج، جزأين من الماء.

* المنقوع: جزآن من العَفْص، نصف جزء من الصّمغ، نصف جزء من الزّاج، وجزء ونصف من الماء.

* الغُبار: جزء من العَفْص، جزء من الصّمغ، نصف جزء من الزّاج، جزء ونصف من الماء.

وقد حدّد بعد التجربة صلوحية كل نوع من هذه الأربعة للمادّة التي يكتب عليها:

* فالمطبوخ يصلح للكاغذ وحده.

* والمعصور يصلح للكاغذ والرَّق.

* والمنقوع يصلح للرَّق خُصوصًا.

* والغُبار للأَقْراص، ليكتب في حينه.

وهذه الأصول في صناعة الحبر، قد يُضاف إليها بعض الإضافات المبرّرة، يضيفون إليها سَخام فتيل الزيت ليكون الحبر أسودَ داكنًا.

وبعضهم يُضيف إليها بدل ذلك الزّعفران، والمسك، وماء الوَرْد، والصّبْر السُّقطري Aloes de Socotora لطرد الذباب.

وهناك عشرات الوصفات في تركيب الأحبار الملونّة نجدها في كتاب عمدة الكتاب، وكتاب القضاعي تحف الخواص (مخطوط) . وكتاب المراكشي: الأزهار في عمل الأحبار49 (مخطوط) . (انظر ندوة مؤسسة الفرقان بلندن، عن كوديكولوجية المخطوط. وانظر دراستنا في مجلة تاريخ العلوم) .

ج- الأَسْفار50

الأسفار جمع سِفْر وهو الكتاب، وأصبح اللّفظ مصطلحًا على الواقي الذّي يُفْرِد الكتابَ بعد ضمّ كراريسه إلى بعضها بالخزم والتشبيك والخياطة فيحفظها موحدة، وتسمّى العملية بالتسفير والتجليد إذا استعمل الجلد فيه.

وقد وصلَتنا أقدمُ هذه الأَسْفار على بعض أجزاء المصاحف، متأثرة في صنعتها بالأساليب الفنية البيزنطية، من أهمها: مجموعة كبيرة بالقيروان بعضها في صنعاء، وسنعرض لها بإيجاز.

أمّا أجزاء الكُتُب القَديمة المحدودة الأَوْراق والمكونة من كراس وكراستين، فقد كانت أَسْفارُها بَسيطة، استَعْملت مادّة المخطوط نفسه إن كانت من ألرَّقّ، أو اتُّخِذ الغلاف الخارجي من الرَّق إن كان الجزء من كاغَذ.

ويكتب اسم الجزء بخطّ كوفي غليظ، وتحته اسمُ المؤلّف، وراوي الكِتاب، واسم المالك الذي قد يكون النّاسخَ في الآن نفسه.

وتطورت صناعة التّسفير أو التّجليد ليصبح فَنًا رفيعًا من أجمل فُروع الصناعات الفنية الإسلامية، ومجالاً للإبداعات الحرة اللامتناهية. وقد شمل طريقة تجميع الكراسات التي يتألف منها الكتاب، وربطها بالسّفر بطريقة الخياطة والتشبيك، ثم تَجْميل هذا السفر بالنقوش والألوان والزخارف المضغوطة والمحزمة والملونة والمذهبة، وما إلى ذلك.

وفي حين أصبح التسفير في أزمنة متأخرة نسبيًا - ربما بدءً من القرن السابع الهجري - صناعةً ومهنةً قائمة بنفسها لا يقومُ المجلد الواحدُ بغيرها. فقد كان الأمر في القرون الأولى وإلى القَرْن الخامس على التأكيد، فرعًا من ثقافة الورَّاق الذي يَحْترف مهنة إعداد الكتاب، ولدينا وثيقةٍ قديمة تؤكّد هذا التمرّس في عمل الورّاق المُجِدّ في صنعة الكتاب بما فيها التجليد، فقد رأينا على أثر من الأعمال الكبيرة، وهو مصحف فاطمة حاضنة باديس بن المنصور الصنهاجي الذّي كتب سنة 410هـ/1020م هذا النصّ: «كتب هذا المصحفَ ورَسَمه وشكَلَه وذَهَّبه وجَلَّده علي بن أحمد الورّاق» وإن كتاب عُمْدة الكتّاب الذي أشرنا إليه، وهو أقدمُ نصّ متكامل يصلُنا عن صنعة الكتاب - وخصّ فيه الفصلَ الثاني عَشر بالتَّجليد - يمثّل فروعَ ثقافة الورّاق، من بَرْي الأقلام، وصناعة الحبر، وخلْط الأصباغ، والكتابة بالذهب والفضّة، وعمل الكاغذ، ومَحْو الرقوق، وتهيئة الجلود. وصناعة التجليد وعمل جميع آلاته حتّى يستغنى عن المجلّدين.

وقد حدّد مؤلّف عمدة الكتاب المؤهّلات التي ينبغي أن تتوفر فيمن يباشر التجليد، وهي شروط ذاتية دقيقة، يقول: «إن الذي يحتاج إليه ملتمس هذه الصناعة، سرعةُ الفهم، وجودةُ النّظر وحدّته، وخِفّة اليد وتَرْك السرعة، والتثَبُّت والتأنّي، وحسنُ الجلوس، ومَلاحةُ الاسْتِمالة، وحُسْنُ الخُلُق».

كما نعرف أسماءَ الموادّ التي يحتاجُها للحَبْك واللَّصْق والتّظْهير وغير ذلك، مما يعتبر أساس ثَقافة المجلّد.

ووَصلنا كتاب آخر مهمٌّ في هذه الصناعة وهو كتاب: التّيسير في صناعة التّسفير51 ، للفقيه بكر بن إبراهيم الإشبيلي، من رجال القرن السّابع الهجري، وهو كتاب مخصّص للمِهْنة، وافٍ بأدواتها وشُروطها، وفيه التفاصيل المهّمة عنها.

* إن مهمّة المفهرس في التعامل مع جلود الكتب المخطوطة التي يباشر الاتصال بها، هو أن يستعين بفهم عصر الكتاب من خلال معرفته بمدارس التجليد، وأن يدرك أهميّته الفنية ويُسجّلها في بطاقاته. وهذا الإدراك يجيء بطول الـمُمارسة والمقارنات، بعد دراسة الفنون الإسلامية وعصورها وبمعرفةٍ ضرورية لتمييز مدارس التّجليد الكبرى، وخصائص كلّ مدرسة، وتطورها الزمني. بحيث تتحدد له الأزمنة حالما يتأمل سفر المخطوط الذّي يتفحصه.

ونعرض بايجاز لبعض هذه المدارس، ونشير بصورة خاصَّة إلى:

1- أسفار الكتب المبكرة ويُمثِّلُها:

نموذج أسفار جامع القيروان:

درس L. Poinssotو G.Marçais مجموعة الأسفار القديمة التي وُجدت في المكتبة العتيقة لجامع القيروان52 . وكانت تَحْفَظُ المصاحفَ المكتوبة على الرق.

ويرجع معظمها للقرون: الثالث والرابع والخامس الهجريّة (9، 10، 11 ميلادي) ، وهي ذات قَطْع (Format)  مستطيل، بحيث يكون عرضها أكبر من ارتفاعها، واصطُلح على هذا القَطْع «الألْبومي»، بالقَطْع الإيطالي (à l’italienne) وقد اتّخذ في أَقْدم المصاحف، الكوفية الخط53 .

ويَخْتلف شكلُ هذه الأَسْفار عما نَعْرفه اليوم، فإذا كانت الأَسْفار الإسلاميّة تشتمل على «لسان» أو «ردّة» أو «قُفْل» تُغطِّي وتَحْمي مقدّم الكتاب، فإن أَسْفار هذه المصاحف القَديمة حفظتها بطريقة أَفْضل، فقد صُنِعت على هَيْئة صندوق مُحْكم القَفْل، وكانت كراسات صحائف المخطوط من الرقّ تُخاطُ بكَعْب الصّندوق، ويُقْفل الصّندوق بإطْباق الدفّه المتحرّكة على صحائف المَخْطوط، ويربط بواسطة مِسْمار مثبت في منتصف الدفّة، يشدّ إليه خيْطُ مصنوع من سُيُور مفتولة من الجلد ثُبت أصلُها في الصندوق مقابل المسمار.

ودَفَّتا الصّندوق لَوْحان من الخَشب الرّقيق السُّمْك، مغَشَّيان بالجلْد؛ وكان الجلد يُمَدُّ على السّطح الخارجي للدَّفّة ثم يُلفّ وتُثَبّت أطرافُه على السّطح الداخلي، ويُبَطَّن داخلُ الدفّة بقماش مصبوغ أو رَقّ.

وأغلبُ الجلود من جلْد الماعِز الـمَدْبوغ، ذات اللّون الأَسْود أو البُنّي، وأكثر الخَشب متّخذٌ من شَجر التّين أو الأَرْز.

وتُزخْرف سُطوحَ هذه الأسفار الخارجيّة خطوطٌ متداخلةٌ أو ضَفائرُ تُسْتَحدث بواسطة عَظْم مُحدَّد، أو وحدات زُخرفية تُضْغط بالمناقِش.

وهناك زخارفُ أخرى متمّيزة تنفذ بواسطة خُيوط غليظةٍ تُثَبَّت باللَّصْق مباشرة فوقَ سطح الدفّة الخشبية، وتشكلّ زخْرفةً هندسيّة، ثم يُشدّ عليها الجلدُ ويُضغط فتَبْرز.

وبأَكْثر هذا النّوع من الأَسْفار القَديمة أثرُ الأَقْفال المِسْمارية، وجُلُّها من النُّحاس، وكانت تُشَدُّ بالخَيْط الجِلديّ - الذّي أشرنا إليه - لإحْكام القَفْل.

وفي مرحلة لاحقة - ربمَّا في القرن الخامس الهجري - اسْتُغْنيَ عن أسلوب الصّندوق ليَقْتصِر السِّفْر على دَفّتين من الخَشب المغشّى بالجلد، والاقْتصار على القِفْل المسماري54 حتى يضغط بالشد على سماكة المجلد وصحائف الرق المتيبسة والمتشنّجة حتى تنبسط.

2- التسفير (التجليد)  المغربي الأندلسي.

بدءًا من القرن الخامس الهجري بدأ يظهر لون من الأشكال ويعم استعماله، هو السّفر المربّع ذو اللسان، وتزخرف سُطوحُ هذا السفر بالخطوط الهندسية المتداخلة، التي تُنَفَّذ بالمسطرة والعَظْم المحدّب.

وتتكوّن دَفّتا الكتاب من ورق مُلَبّد مضغوط يتماسك باللَّصق، يُكْسَى بالجلْد المرقّق، وأكثر هذه الأغلفة تُعَدُّ من وَرَق مُسْتعمل مكتوب قد تفاجئ أحيانا بعد تفكيكها بنصوص نادرة.

وأغلب زخارف التسفير المغربي هندسيّة خالصة، ولم تستعمل فيه الزخارف الكتابية أو الحيوانية، كما تستخدم الزخارف المضغوطة بواسطة المكواة. وفيها بعض الشموس واللّوزت وزخارف الأركان.

ويستعمل التذهيب على الجلد بمقدار محدود، ويكون في شكل خيوط رقيقة، ولو أن هذا يعدّ - فيما عدا المصاحف - من الأشياء المكروهة عند المالكية، وقد نبّه عليها فقهاؤُهم وخَصّوه بالتشديد.

3- التّسفير (التجليد)  المصري.

اشتهر التسفير المصري الشامي في عهد المماليك خاصة، وارتبط بمنزلة مصر الثقافية في ذلك الوقت وما يصدر عنها من تصانيف، وكان اللّون المفضل للجلد هو اللّون البني الفاتح، وكانت صناعة دباغة الجلود قد بلغت أعلى مستوياتها.

ومن مبْتكرات تلك الحقبة على الأسفار ذات المستويات الخاصة تَخْريم الزخارف وتفريغها من الجِلْد، وبسط ذلك الجلْد المفرّغ على حَرير أَخْضر أو أَحْمر، وتحديد العناصِر الزّخرفية المفرّغة بدِقة بخيوطٍ مضغوطة مُذْهبة، وتُوجد نماذج موضحة لهذا اللون بمعرض دار الكتب المصرية وبرصيدها المخطوط، ونماذج أخرى منشورة صُورُها55.

وزخارف أسفار الكتب المصرية الشّامية صنْفان:

* بسيطة تتكون من جامعات أو شَمْسات، تثبت بطريقة الضّغط الحارّ في مركز صَفْح السّفر، وقد تُحدّد أركان الدَّفة الأربعة بزخارف ركنيّة مضغوطة بالطّريقة نفسها.

* ومركبة - وهي السائدة - وتتمثل في كثرة استعمال الأطباق النجمية. والمهم أن هذه الزّخارف الهندسية المطلقة التي تغطي كامل سَطْح الجلد، لم تنفذ بواسِطة القوالب الجاهزة، وإنمّا ينفذّها المجلدُ الفنَّان بالمساطِر ومكارتِ العَظْم المحدَّبة.

وتكون هذه الزّخارف دائمًا داخلَ إطار من حاشيةٍ أو أكثر، وتَملأُ المناطقَ المحصورة داخل هذا الحواشي زخارفٌ دقيقة متكرّرة تُنفّذ بواسطة المناقِش.

وقد ظهر في بعض الحالات أن المجلِّدَ يذَهّب خطوطَ الطّبق النجمي، ويلَوّن بعضَ المناطق المحصورة فيه تلوينًا مُتماثلًا56 ويجدر التنبيه إلى أن المسَفّرَ في هذه المدرسة كان يثَبّت خطوطَه بمناقش غير سَخنة، وأن الزّخارف المضغوطة كانت خفيفة الغَوْر.

أما اللّسان أو القِفْل أو الرَدَّة أو الأُذْن أو الشّدْق، فقد أصبح ظاهرةً مشتركة في كلّ مدارس التسفير الإسلامي.

وأصبح سطحُ اللّسان الخارجيّ أثناء القرن الثّامن مجالاً لكتابة اسْم الكتاب واسم مؤلّفه بالخط النّسخي الجميل57.

4- التّسْفير (التجليد)  الإيراني

يَخْتلف التسفير الإيراني حَسب مدارس داخليّة تخصّ العصور الفنية، وخاصّة العَصْر التّيموري والعصر الصّفَوي وغيرهما. وهو مَجْلَى للعبقرية الفنية وإبداعاتها التي لا تحدّ.

ونظرًا لوَفْرة المخطوطات العربية التي كتبها الإيرانيّون استجابةً لدورهم البارز في خدمة المعرفة والثقافة الإسلاميّة، فإنّنا نُسَجل الملاحظات التالية على وجه الإلماع:

بداية من القرن التاسع الهجري يمكن أن نذكر لونًا متميزًا من الأسفار (الجلُود)  يعتبر تطورًا جديدًا في فن صناعة الكتاب.

* أصبح السِّفْر - حسب تطور فنّ نَسْخ المخطوط - يميل إلى الإستطالة ويقلل من العَرْض.

* تذهيب سطح الجِلْد بكل تفاصيله، أرضيته وزخارفه، وتتّم عملية الضغط والتذهيب بواسطة قوالب معدنية أو خشبية في وقت واحد.

* حلول الزخارف النباتية محلّ الأشكال الهندسية.

* ظهور الأشكال الحيوانية من طُيور وسباع في الجامة المركزيّة وفي الأركان58 .

وتلت هذه المرحلة مرحلةٌ أخرى ازدهرت مع ازدهار فنون التصوير الإيراني، وترجع إلى عصر الشاه طهماسب، وفيها ظهرت زخرفة الأسفار باللاّكية. وكانت الجلود أو الأسفار تُعْمل من الورق المضغوط المغطّى بطبقة رقيقة من عَجينة عليها طبقة من اللاكية، استُخْدمت في زخرفتها الألوان المائية، ولحماية الرّسم من التّلَف غُطِّي بطبقة رقيقة من اللاّكية59.

وتشتمل تلك الرسوم على مناظر بريّة ومشاهد صَيْدٍ ومجالس وحدائق وباقات أزهار.

وبالأسلوب نفسه صنعت بعض الأسفار التي ظهرت فيها المؤثرات الصينية متمشية في أسلوب الرسم وطريقة ترك الفراغ ورسم الحيوانات الخرافية60 ، كما ظهرت بعض السّحنات الهنْديّة الدّالّة على أن الأسلوب الإيراني قد امتد انتشاره عند صناع غير إيرانيين، ونلاحظ العناية التامة بباطن السّفر من الداخل وإعطائه مزيدًا من الإهتمام في الزخرفة والتلوين ونفاسة الموادّ.

كما نلاحظ أن إطار الحاشِية في السِّفر كان يقسم إلى مناطق أشبه بالجامات المستطيلة، تُملأ بآيات من القرآن وأبيات حكمية من الشعر.

وقد ظهرت هذه الطريقة في الزخرفة الكتابية على بعض المصاحف المملوكية بمصر، ولكن تطوّرها على الأسفار الإيرانية. كان أوضح وأكثر رسوخًا واستمرارًا.

5- التّسْفير (التّجليد)  التّركي.

نذكر أن التّسفير التركي المبكّر تأثَّر تأثرًا واضحًا بالمدرسة الإيرانية سواءً في القَطْع أو في أسلوب الزّخرفة، باستثناء أنّه لم ينصرف بإفْراط لاستخدام الرّسوم الآدمية والحيوانية بالشكل الذي عُرف في إيران. ولعل ذلك يرجع إلى أسبابٍ مذهبيّة تعود إلى الموقف الديني المختلف من التصوير.

وامتاز التسفير التركيّ باستعمال الألوان الفاتحة في اختيار لون الجُلود، وكان هناك مَيْل لللّون الأخضر.

واهتموا بترك فَراغٍ حول الجامة أو الشّمسة الوُسْطى المذْهَبة في دَفَّة الكتاب، وكثيرًا ما يعمَدون إلى عرض اللّسان لكتابة اسم الكتاب عليه، سواء بالضَغْط المذهب أو بإلْصاق رُقَع ذات خطوط حَسنة، وقد ظَهر هذا الأُسْلوب نفسه في العصر المملوكي الشركَسي بمصر، ونَجد من نماذج ذلك نُسْخة تاريخ ابن خلدون التي أهداهَا للسلطان بَرْقوق61 .

هذا ومن الزخارف المحببة في التّسفير التركي عنصر الزهور، تشكَّل في باقات، أو تنشر على كامل مساحة الجلد، وبرع الفنّانون الأتراك في رسم واقعية الزهرة بالتصوير الدقيق لتقاطعها وتفاصيلها62 .

ويمكن القول بأن التسفير التركي مساهمة تطوير فنية عالية في صناعة الكتاب المخطوط الإسلامي.

إنّ صناعة الكتاب المخطوط الإسلامي كانت ثقافة قائمة بكل عناصرها وموادها وصنّاعها، وكانت مجالاً للابداعات الكبرى في كل فروعها، من أعمال الرقاقين والكاغذيين وصانعي الأحبار بألوانها والخطاطين والمذهّبين والمجلّدين والورّاقين وغيرهم. وكان لهذه الصناعات الموحدة حول الكتاب مصطلحٌ ثابت يدل على أنّ صناعة الكتاب فنّ مكتمل العدّة والوسائل، وقد قمت بمحاولة مبكرة قدمت فيها جزءًا من هذا المصطلح63 ، وأصبح لديّ بعد ذلك منه مادة وفيرة استخرجتها من النّصوص المختلفة والمعاجم اللّغوية والأَخْبار الأدبيّة؛ تمتدّ على كلّ الفروع التي تناولتُ بعضهَا في هذا الموجز، وعلى غيرها.

صفحة من كتاب الازهار للمراكشي يعرض فيها أحْبار العلماء
صفحة من كتاب الازهار للمراكشي يعرض فيها أحْبار العلماء
قانون تركيب الأمدّة (الأحبار)  الأربعة. من كتاب تحف الخواص للقلَلُوسي
قانون تركيب الأمدّة (الأحبار)  الأربعة. من كتاب تحف الخواص للقلَلُوسي
في منزل  إيراج أفشار بطهران مع إبراهيم شبوح يطلعان على صورة نسخة مهمة من سيرة محمود بن سبكتكين
في منزله بطهران نطلع على صورة نسخة مهمة من سيرة محمود بن سبكتكين
في مكتبة مجلس الشورى بطهران نناقش توثيق نسخة أندلسية قديمة نادرة من كتاب الإمامة والسياسة
في مكتبة مجلس الشورى بطهران نناقش توثيق نسخة أندلسية قديمة نادرة من كتاب الإمامة والسياسة

*عَرَفتُ الصديق العزيزَ العالمَ الثّبْت إيراج أفشار - يرحمه الله - في رحاب مؤسّسة الفرقان للتراث الإسلامي بومْبِلْدن (المملكة المتحدة) ، أثناءَ اجتماعات مجلس الخبراء، بإشراف المؤسّس ورئيس المجلس، العالم المفكر المثقّف، معالي الشيخ أحمد زكي يماني، حفظه الله.

عَرفتُه مثالًا للعالم المتمكن، جيّد الخبْرة بالتراث الإسلامي الإيراني المخطوط ومكوّناته وأساليب توثيقه، سخيا بعلمه لا يتردّد في الإفادة بما لديه، واستحكمت بيننا رابطة الأخوة، ودارت بيننا حوارات مهمة لا تُنْسَى، واتفقنا أن نضع معًا كتابًا نموذجيًّا عن فنون صناعة الكتاب الإسْلامي المخطوط، نحاول فيه الإلمام بمدارس صناعته المختلفة ونوثِّقه بالنماذج المعبرة النّادرة، ونبدأ بالمدرستين الكبيرتين: العربية والإيرانية. ووضعنا الخطة وبدأنا في تنسيق المادة كلٌّ من جانبه، وحالت بعض الظروف فلم نمض بعيدًا.

وهذه مشاركة متواضعة هي ملخّص مدخل ألقيتُه في دورة تدريبية أقامتها مؤسسة الفرقان في إستانبول، أقدّمه تكريمًا لروحه الطّاهرة التي استأثر بها بارؤُها، واعتزازًا بصداقة رَجُل مستعْصٍ على النّسيان، داعيًا له بالرحمة والمغفرة.

ملاحظة:
نشر هذا النص في الكتاب التالي:
بحوث ودراسات مهداة إلى إيرج أفشار، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، 2018، ص 139-181.

مقالات مختارة

إقرأ المزيد

المدخل إلى علم الكتاب المخطوط بالحرف العربي

فرانسوا ديروش محتويات المقال:ليست جميع الكتب على شكل الكوديكساللفافة والدرجالكتب المَرْوَحِيَّةالمخطوطات ذات القطع الكاملمكانة علم المخطوطات في دراسة المخطوطاتأهداف علم المخطوطاتعلم المخطوطات (الكوديكولوجيا) وعلم تطور ال...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

التراث العربي الإسلامي: ببليوجرافية بالانتاج الفكري العربي من 1882 إلى 1998

د. محمد فتحي عبد الهادي: أستاذ المكتبات والمعلوماتووكيل كلية الآداب – جامعة القاهرة يعتبر التراث العربي الإسلامي المخطوط أضخم تــراث فـي الـعـالــم وعــلى امتداد تاريخ البشرية، وقد كانت إسهامات العرب والمسلمين الفكرية با...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

تقنيات صناعة المخطوط العربي في بلاد الشَّام

إياد خالد الطباع محتويات المقال:الفصل الأول في صناعة الوِرَاقة في بلاد الشَّام وتطورهاالفصل الثاني في النَّاسخ والورَّاق والخَطَّاط والمُجَلّد في بلاد الشَّامالفصل الثالث في أدوات الكتابة وصناعتها في المخطوطات الشَّاميّة...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

الورق وتاريخ صناعته في الحضارة العربية الإسلامية

أسامة ناصر محمود النقشبندي محتويات المقال:نبذه من أساليب صناعة الورق العربيالورق المقوىالمصـادرالمراجـع عرفت الحضارات القديمة الكتابة واستخدامها خصوصا في بلاد الرافدين حيث ظهرت الكتابة المسمارية لأول مرة في العصور السومر...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

المكتبات في القدس الشريف منذ الفتح الصلاحي سنة 583هـ/1187م إلى سنة 1367هـ/1948م

محمد عدنان البخيت محتويات المقال:مصطلح مكتبةنشأت المكتبات في القدسخزائن المدارسوقف علي مصطفى أبو الوفا العلمي سنة 1116هـ/1704ممكتبة الشيخ محمد الخليلي (ت 1147هـ/1734م)وقف الحاج حسن عبد اللطيف الحسيني سنة 1201هـ/1787مالمك...

مقالات متعلقة بأيام دولية
Back to Top