كاظم الموسوي البجنوردي
| محتويات المقال: الغنجار تاريخ بخارى تكملة تاريخ بخارى المصادر |
يعتبر كتاب تاريخ بخارى من أشهر الآثار في مجال تواريخ المدن، فهو من نوع الآثار التي كان أصحاب الحديث يؤلفونها في مجال معرفة الرجال وسنَدهم الحديثي، وهو لأبي عبد الله محمد بن أحمد البخاري المعروف بالغُنجار (327 – 412هـ) . ولم يصلنا تاريخ بخارى للغنجار أو لم يتم التعرف في الأقل على مخطوطة منه، إلا أن هذا الكتاب كان لحسن الحظ في حوزة علماء القرون اللاحقة ومحديثها وعلماء رجالها، مثل ابن ماكولا والسمعاني والذهبي وأمثالهم، ونقلوا فيه بعض الإفادات، وخاصة ما يتعلق بالتعريف بالمحدثين والعلماء الذين سكنوا بخاری، أو الذين كانوا يسافرون إلى المدن الأخرى ومنها بخاری كما جرت العادة منذ القدم بين أصحاب الحديث لإدراك الشيوخ وجمع المزيد من الأحاديث والروايات. ويمكننا أن ندرك أهمية الكتاب من خلال دراسة النقول المتبقية من تاريخ بخارى. وبالطبع فإن بإمكاننا أن نخمن إلى حد ما من هذه النقول المتبقية أن المؤلف لم يكن قد تحدث عن حياته الشخصية في هذا الكتاب، بحيث لم يتمكن المتأخرون من استنباط جوانب من حياته من خلال عباراته؛ وإلا لما عبر علماء كبار مثل الذهبي، الذي كان تاريخ بخارى في متناوله، عن عدم توفر المعلومات لديهم حول حياة المؤلف مرارًا([1]) .
وعلى أي حال، فقد ولد أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن كامل البخاري، كما يصرح هو نفسه لتلميذه، ابن ماما الأصفهاني - الذي كتب تكملة على تاريخ بخارى - والذي سوف نتحدث عنه لاحقًا - في سنة 337هـ([2]) . ورغم أن أن المصادر المتوفرة لم تشر إلى مسقط رأسه، إلا أنه ولد في بخاری على الأرجح. وكانت بخاری تعد في هذا العهد من أهم مراكز خراسان العلمية الكبيرة، خاصة وإن السلاسل وحلقات أصحاب الحديث والكثير من الفقهاء والعلماء كانوا يسكنونها أو يسافرون إليها([3]) . وتدل نظرة عابرة إلى أسماء المدن ومناطق خراسان الكبرى المختلفة في كتاب كبير مثل الأنساب للسمعاني على أن خراسان كانت لعدة قرون قاعدة كبرى للعلم والأدب والثقافة والفن، وكان هنالك علماء معروفون يعيشون في القرى ويمارسون النشاط العلمي فيها.
الغُنجار
من جملة المواضع اللافتة للنظر حول مؤلف تاريخ بخارى هو لقب «الغُنجار». وتعني هذه الكلمة الحمرة التي كانت النساء تستخدمها لخدودهن، وقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى في معظم المعاجم العربية والفارسية([4]). إلا أن أبا عبد الله الغنجار لم يكن أول من اشتهر بهذا اللقب: فقد كان هنالك محدّث بخاريٌّ معروف قبله يدعى أبا أحمد عيسى بن موسى (ت 186هـ) يلقب بالغنجار لأن خديه كانتا متورّدتين على ما قيل([5]). ونحن لا نعلم مدى صحة هذا التعليل ودقته، إلا أن سبب شهرة مؤلف تاريخ بخارى لم يكن حمرة خديه. بل لأن أبا عبد الله الغنجار كان منهمكًا في شبابه على ما قيل في جمع الروايات المنقولة عن عيسى بن موسى الغنجار، حتى عرف هو نفسه بهذا اللقب. وقد نقلت هذه المعلومة عن ابن ماما الأصفهاني، الذي كان قد أدرك مؤلف تاريخ بخارى شخصيًا([6]) ونحن الآن لا نعلم ما إذا كان قد سمع ذلك من أبي عبد الله الغنجار نفسه أو استخرجه بنفسه.
وعلى أي حال، فقد لقب عيسى بن موسى بـ«الغنجار الكبير» في بعض المصادر تمييزًا لعيسى بن موسى الغنجار عن أبي عبد الله الغنجار صاحب تاريخ بخارى([7]). وفضلًا عن سبب شهرة مؤلف تاريخ بخارى بالغنجار والذي لا يبدو خاليًا من الإبهام والتساؤل، فإن موضوع علاقته بأحاديث عيسى بن موسى البخاري أو الغنجار الكبير يبدو عجيبًا هو أيضًا إلى حد ما، فلو كان مؤلف تاريخ بخارى كما ذكر ابن ماما الأصفهاني، يعمل بجد على جمع الأحاديث والروايات المنقولة عن طريق عيسى بن موسى، فلماذا لا يصل أي من طرق روايته إلى عيسى بن موسى؟ وبعبارة أخرى، لماذا لا يوجد اسم عيسى بن موسى في سند مروياته، سواء بواسطة واحدة أم واسطتين؟ صحيح أن كتابًا مستقلًا لم يصلنا من أبي عبد الله الغنجار وما تبقى هو روايات متفرقة، إلا أن شيوخه معروفون إلى حد ما كما سنلاحظ، ولو كان أبو عبد الله الغنجار قد نقل من سلفه الغنجار الكبير رواية بواسطة، لذكر ذلك الطريق. خاصة وإن التراث الروائي لعيسى بن موسى الغنجار ليس قليلًا. ومن المدهش حقًّا أن أبا عبد الله الغنجار رغم سعيه في جمع الروايات المنقولة عن الغنجار الكبير، والاتصال بحلقات الحديث في بلاد ماوراء النهر وخراسان، لم يكن له طريق روائي لنقل الرواية منه.
وإذا ما أخذنا بتفسير ابن ماما في مجال سعي أبي عبد الله الغنجار لحفظ روايات الغنجار الكبير، فحينئذ سوف لا يكون تعدد أسباب طرقه إلى الغنجار الكبير، القاعدة غير الموثقة كثيرًا لعيسى بن موسى في نقل الحديث وروايته، فاستنادًا إلى بعض المصادر، فإن الغنجار الكبير كان يروي عن مجاهيل في الرواية رغم أنه اعتبر صدوقًا بحد ذاته وقيل إن عدد رواته المجهولين كان يبلغ مائة شخص([8]). ولا يمكن القول باطمئنان حتى في الوقت الحاضر هل كان أبو عبد الله الغنجار قد ذكره في تاريخ بخارى، أم لا؟ ذلك لأنه لا توجد إشارة حتى في مستوى نقل تاريخ الوفاة، إلى عيسى بن موسى الغنجار في النقول التي وصلتنا عن تاريخ بخارى.
ولا تتوفر معلومات يعتد بها كما قلنا عن أحوال أبي عبد الله الغنجار، إلا أن السمعاني ذكر أنه كان «ورّاقًا» وكان يزاول مهنة الوراقة، أي إنه كان يتعامل مع الكتاب والكتابة ومن المحتمل أنه كان يعتاش على هذه المهنة([9]). وقد سكن أبو عبد الله الغنجار بخاری معظم حياته ولم يكن يحبّ الأسفار والرحلات كثيرًا خلافًا لما ذكر عن أصحاب الحديث وقد أكد الذهبي هذا الموضوع([10]). ولكن السمعاني ذكر أن الغنجار لم يسافر إلا إلى مرو وسمع الحديث من شيوخها. وبالطبع فإن أحد النقول عنه يدل على استماعه من ناصر بن محمد الأزدي في مدينة كرمينية قرب بخاری([11]).
وقد ذكر عدد من أكبر علماء الرجال القريبين من عهد أبي عبد الله الغنجار، مثل ابن ماكولا والسمعاني اللذين كانا يمتلكان كتاب تاريخ بخارى، شيوخه استنادًا إلى طرق الغنجار في الرواية ويظهر فهرس هؤلاء الشيوخ أن الغنجار كان ناشطًا إلى حد كبير في استماع الرواية من الشيوخ الساكنين في هذه المدينة أو الوافدين إليها، ونشير هنا إلى بعضهم:
أبي منصور محمد بن جعفر بن محمد التونكثي، أبي أحمد علي بن محمد بن عبد الله بن حماد، أبي محمد القاسم بن محمد بن القاسم المروزي، أبي نصر أحمد بن محمد الحازمي البخاري، خلف بن محمد بن الخيام، سهل بن عثمان السلمي، إبراهيم بن هارون الملاحمي، أحمد بن الحسين بن علي الهمداني، أبي الفضل أحمد الكاغذي، أبي محمد يحيى البلخي، أبي الحسن علي الخجندي، أبي محمد عبد الله الأزدي الهروي، أبي أحمد بكر بن محمد الوريساني السمرقندي، أبي عبد الله بن مندة الأصفهاني، أبي الحسن الفائق الأمير الساماني وآخرين([12]).
كما سمع عددٌ من المحدثين الحديث من الغنجار، مثل أبي محمد عبد العزيز البخاري (ت461هـ) ، أبي الوليد الحسن البلخي (ت456هـ) ، أبي المظفر هناد بن إبراهيم النسفي (ت465هـ) ، أبي العباس المستغفري مؤلف تاريخ سمرقند وتاريخ نسف و کش (تـ 436هـ) ([13]).
توفي أبو عبد الله الغنجار في بخارى في فجر يوم الجمعة 22 شعبان سنة 412هـ([14]). ودفن في «جانب جنوب مزارات سلاطين السامانية» في إحدى نواحي بخاری وكان قبره معروفًا حتى العهد الذي كان أحمد مُلَّازاده يؤلف فيه كتاب مزارات بخارى في القرنين 8ــ9هـ([15]). وقد كان لأبي عبد الله الغنجار كتاب باسم فضائل الصحابة الأربعة، فضلًا عن كتاب تاريخ بخارى، على أن هذا الكتاب لم يصلنا هو أيضًا([16]).
تاريخ بخارى
إن ما أدى إلى شهرة الغنجار، الكتاب الذي ألفه في ذكر محدثي بخاری وعلمائها، وكما مر ذكره، فإن هذا الكتاب لم تصلنا مخطوطة منه، ولكننا يمكن أن نستنتج من النقول المتبقية منه أن الغنجار كان قد ألف هذا الكتاب بنفس الأسلوب والسياق المعهودين لدى رجال الحديث رغم أنه يبدو أنه كان يختلف في بعض الوجوه عن بعض الآثار المتبقية عنهم في هذا الباب نفسه. ومن الواجب قبل التفصيل في هذا المجال أن نقدم إيضاحًا حول كتابة التاريخ حسب أسلوب أصحاب الحديث. وقد كان تأليف الآثار المتخصصة في مجال تاريخ المدن المهمة في الرقعة الواسعة للأقطار الإسلامية، من أهم مظاهر كتابة التاريخ طيلة القرون الهجرية.
ويمكن تقسيم هذا النوع من الآثار إلى مجموعتين؛ رغم أنه كان أيضًا عدد من الآثار يمكن تصنيفها في كلتا المجموعتين، مثل تاريخ بيهق لعلي بن زيد البيهقي. والمجموعة الأولى من تواريخ المدن والتي كتبها علماء الحديث وأصحابه والمجموعة الثانية من تواريخ المدن تشتمل على الأحداث السياسية للمدن أو المنطقة؛ مثل تاريخ قم أو تاريخ طبرستان. ونحن نريد هنا ذكر المجموعة الأولى من هذه الآثار فقط؛ أي إن المراد مما كان أصحاب الحديث قد كتبوه في باب تواريخ المدن، هو في الحقيقة إعداد نوع من الكتب المرشدة لتحديد أصحاب الحديث وناقليه في المدينة المقصودة وكانت تشمل أسماء سكان كل مدينة ومسافريها وأنسابهم وسندهم في رواية الحديث.
وبالطبع فإن تأليف مثل هذه الكتب كان له قواعد ولم يكن يعمد أحد إلى تأليف مثل هذه الآثار سوى الشخص الذي كان يُعد هو نفسه من الكبار والأشخاص الموثوق بهم في مجال نقل الحديث. وتتضمن مقدمة تاريخ مدينة ما المعلومات الجغرافية والتاريخية ثم كانت تليها أسماء المحدثين على أساس الحروف الهجائية أو الطبقات الزمنية أحيانًا، وتذكر السلسلة الحديثية للمحدث المقصود. وكانت المعلومات المدرجة في ذيل أسماء المحدثين تختلف حسب نسبة معلومات المؤلف، وكانت تشمل في الكثير من المواضع تاريخ ولادة المحدث وفاته أحيانًا وكانت تضم أحيانًا معلومات أخرى مثل موضع إقامته في محلات المدينة المقصودة والنشاطات المتميزة والجديرة بالذكر أيضًا.
ونشير إلى أن مراد المؤلف في معظم المواضع الموجودة من تواريخ المدن، لم يكن - في الغالب - ترجمة أحوال المحدثين، وإنما كانت سلسلة أسانيده هي التي تتمتع بأهمية خاصة؛ ومع كل ذلك، فعلى الرغم من كل الاختصار الذي كانت تتميز به تواريخ المدن في ذكر محدّثي مدينة ما وذكر علمائها، إلا أنها كانت تشتمل على فوائد أخرى لافتة للنظر كانت تؤدي أحيانًا إلى تفوقها على روايات الآثار التاريخية المحضة. ورغم أن أساس التأليف في مثل هذه الآثار كان توخّي الاختصار، إلا أن الآثار المؤلفة كانت تضم أحيانًا مجلدات عديدة حسب كبر المدن وعدد سكانها وأهميتها، مثل تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، أو تاريخ نيسابور للحاكم النيسابوري، ورغم أنه لم يصلنا إلّا أن النقول المتبقية منه في الآثار الأخرى تدلّ على أنه كان في عدة مجلدات.
وبعد أن فقد نشاط، حلقات أصحاب الحديث ازدهارَه السّابقَ في القرون اللاحقة، وخاصة بعد الغزو المغولي، فإنه لم يعد تأليف التاريخ الخاص بالمدن يحتفظ بضرورته السّابقة وطواهُ عالم النسيان شيئًا فشيئًا؛ بحيث أن مخطوطات هذا النوع من الآثار نفسها لم تكن تستنسخ إلّا على نطاق ضيق، كما أن المخطوطات السابقة فُقِدت على أثر الحوادث المختلفة كالكثير من الآثار الأخرى؛ ولم يبق من بين الآثار العديدة التي عرفناها من هذا النوع من الآثار، سوى المخطوطات الفريدة أو الناقصة في الغالب، مثل القَنْد في ذكر علماء سمرقند للنسفي، تاريخ جرجان للسهمي، ذكر أخبار أصفهان لأبي نعيم الأصفهاني، إلا أن معظم تواريخ المدن فُقِد للأسف أو لم يتم الكشف بعدُ على مخطوطاتها. ومع كل ذلك، فإن بإمكاننا العلم بوجود بعض تواريخ المدن، بل إنّ بإمكاننا إعادة صياغة بعضٍ من هذا النوع من النصوص إلى حدٍّ ما عن طريق بعض الآثار الأخرى. وبالطبع فإن عدد النقول من تواريخ المدن وحجمها يختلفان، وما لبث البعض منها أن فُقد كما تُظهر الشواهد.
وقد ألف عالم آخر هو أبو بكر منصور البرسخي كتابًا في «أخبار بخارى» قبل أن يؤلف الغنجار كتاب تاريخ بخارى، حيث كان جانبه التاريخي هو الغالب عليه. وقد كان لذلك الكتاب أو كتاب آخر أساسًا في الموضوع نفسه نسب في القرون اللاحقة إلى أبي بكر النرشخي، وطبع بالفارسية مرارًا باسم النرشخي وترجم إلى العربية أيضًا، وهذا مصير عجيب! ذلك لأن ترجمته الفارسية تعرضت لكثير من التغييرات فضلًا عن الغموض الذي يكتنف المؤلف الحقيقي لأصل الكتاب، بحيث أننا لا نعلم حاليًا من هو مؤلف تاريخ بخارى الذي وصلنا والمنسوب إلى النرشخي؟([17]).
وقد كان كتاب تاريخ بخارى للغنجار يبدأ على الأرجح وكما درج عليه أصحاب الحديث، بذكر الفضائل والمناقب المنسوبة إلى هذه المدينة، ونقل أحمد مُلَّا زاده من تاريخ بخارى - سواء بواسطة مصدر آخر أم مباشرة - ما يتعلق بمزار النبي أيوب |، يعزّز الظن المذكور إلى حد ما، ذلك لأنه لا يخلو من وجه فضيلة لتلك المدينة([18]). ثم كانت أسماء المحدثين والعلماء قد أدرجت، بناء على القاعدة، على أساس حروف الهجاء بشكل متتال.
ويمكننا أن نتصور على أساس النقول المتبقية من تاريخ بخارى تركيبة المعلومات التي كان الغنجار يتوخاها في ذيل تراجمه من ذكر اسم ونسب كل واحد من المحدثين والرواة إلى حد ما. واستنادًا إلى ذلك فإن هذه النقول بالغة القيمة؛ خاصة إن ابن ماكولا كان في حوزته أصل مخطوطة الكتاب بخط مؤلفه ونقل منها([19]). ومن الأقسام المهمة في تاريخ بخارى، الفصل الذي كان المؤلف قد خصصه لذكر أحوال البخاريّ صاحب الصحيح، وقد نقلت تراجم الرجال اللاحقة من هذا القسم على نطاق واسع([20]). وقد حُفظت سلسلة سند الغنجار في الكثير من النقول المتبقية حيث كان ذلك في حد ذاته طريقًا لتحديد طرق روايته([21]). ويتضح من القرائن العديدة أن أبا عبد الله الغنجار كان مقيدًا بالضبط الصحيح للأسماء والألقاب والأنساب أحيانًا وكذلك الإيراد الدقيق لسنوات الوفيات([22]). كما كان ملتفتًا إلى إثبات أوضاع الرواة والشيوخ من حيث قواعد الجرح والتعديل([23]).
ومن جملة المواضع المفيدة في النقول المتبقية، التسجيل الدقيق لمناطق خراسان وما وراء النهر ومدنهما وقراهما في كتاب تاريخ بخارى([24]). ومع كل ذلك يبدو أن تاريخ بخارى كان كتابًا مختصرًا ولم يكن المؤلف يقصد تناول الأخبار التاريخية. ومن المحتمل أنه كان قد اكتفى بإدراج المعلومات الإجمالية في ذيل ترجمة كل واحد من شيوخه. ويشير القسم المخصص في الكتاب لذكر أبي عيسى الترمذي - ونقل ابن كثير منه - أسلوب عرض الموضوع إلى حد ما:
«قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الغنجار في تاريخ بخاری: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الحافظ دخل بخاری وحدّث بها وهو صاحب الجامع والتاريخ، توفي بالترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين»([25]).
وما لبث كتاب تاريخ بخارى أن حظي بالاهتمام نظرًا إلى المعلومات الدقيقة التي كان يشتمل عليها واستند إليه علماء كبار في كتبهم. ونذكر من بعض طرق أسانيد هذا الكتاب بالرواة الذين سمع المؤلف منهم([26]). وقد اكتفى المؤلفون اللاحقون - في بعض المواضع في النقل - بذكر اسم الغنجار وكتابه، بإشارة أو إشارتين([27])، أو نقلوا منه مع حفظ طريق رواياته([28]).
تكملة تاريخ بخارى
يتضح من بعض النقول من تاريخ بخارى أن أبا عبد الله الغنجار كان قد واصل ذكر الروايات والشيوخ والعلماء قبل وفاته يضع سنوات. وعلى سبيل المثال فإن أحد النقول من هذا الكتاب يرتبط بشخص ذكر الغنجار أن تاريخ وفاته كان في نهاية سنة 395هـ([29]). وحتى إذا كان الغنجار قد ذكر سنة وفاة شخص بعد هذا التاريخ، فإن نقله لم يصلنا اليوم، إلا أن أحد تلامذة الغنجار، وهو أبو حامد أحمد بن محمد الأصفهاني المعروف بابن ماما (تـ شعبان 436هـ) كتب تكملة عليه بعد وفاة الغنجار، وذكرت هذه التكملة عند السمعاني باسم «الزيادات»([30]). كما كان ابن ماما قد كتب شرحًا في هذه «الزيادات» حول الغنجار نفسه نقله ياقوت الحموي([31]). وأكد هذه الزيادات التي أستدرك بها ابن ماما على الكتاب بما في ذلك ما ألحقه عن تاريخ ولادة غنجار نفسه التي سمعها منه ما نقله ياقوت الحموي([32]).
المصـادر
- ابن حجر، أحمد، تهذيب التهذيب، حيدر آبادالدكن، 1325هـ، المؤلف نفسه، لسان الميزان، حيدر آبادالدكن، 1329هـ.
- ابن عساكر، علي، تاريخ مدينة دمشق، بتحقيق: علي شيري، بيروت، 1415هـ/1995.
- ابن كثير، إسماعيل، البداية والنهاية، بتحقيق: علي شيري، بيروت، 1408هـ / 1995.
- ابن ماكولا، علي، الإكمال، دار إحياء التراث العربي.
- بشار عواد معروف، «من هو مؤلف تاريخ بخاری»، الأقلام، س 4 (ذي القعدة 1387هـ) .
- الحاكم النيسابوري، محمد، معرفة علوم الحديث، دار إحياء التراث العربي، 1400هـ/ 1980م.
- الخطيب البغدادي، أحمد، تاريخ بغداد، بتحقيق: بشار عواد معروف، بيروت، 1422هـ/ 2001م.
- دائرة المعارف بزرگ إسلامي، تحت إشراف كاظم الموسوي البجنوردي.
- دهخدا، علي أكبر، لغت نامه، طهران، نشر جامعة طهران.
- الذهبي، أحمد، تاريخ الإسلام؛ بتحقيق: عمر عبد السلام تدمري، بيروت، 1407هـ/1987م؛ المؤلف نفسه، تذكرة الحافظ، حيد آباد الدكن، 1970؛ المؤلف نفسه، سير أعلام النبلاء، بتحقيق: شعيب اللارنؤوط وآخرون، بيروت، 1404هـ/ 1984م.
- الزبيدي، مرتضى، تاج العروس، طبعة بولاق.
- السمعاني، عبد الكريم، الأنساب، بتحقيق: عبد الله عمر البارودي، بيروت، 1408هـ.
- الصفدي، الخليل، الوافي بالوفيات، ج 1، بتحقيق: هلوت ريتر، فيسبادن، 1381هـ/ 1962م؛ ج2، بتحقيق: ددريغ، فيسبان 1394ق/ 1974.
- المزي، يوسف، تهذيب الكمال، بتحقيق: بشار عواد معروف، بيروت، 1988م.
- ملازاده، أحمد بن محمود، تاريخ ملازاده در ذكر مزارات بخارى، بتحقيق: أحمد گلچين معاني، طهران، 1339ش.
- ياقوت الحموي، معجم الأدباء، بتحقيق: إحسان عباس، بيروت، 1993؛ ياقوت، معجم البلدان، بتحقيق: فووستنفلد، طهران، 1965.
[1]() الذهبي، تاريخ الإسلام، 28/ 300: «ولم تبلغنا أخباره كما ينبغي»؛ المؤلف نفسه، تذكرة الحفاظ، 3/1052: «ولم أظفر بترجمته كما ينبغي»؛ المؤلف نفسه، سير أعلام، 17/304: «وما بلغتني أخباره كما ينبغي وما هو ببارع المعرفة».
[2]() ياقوت الحموي، معجم الأدباء، 5/ 2349: «قال أحمد بن ماما الأصبهاني الحافظ فيما زاده على تاريخ غنجار سمعته يقول ولدت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة».
[3]() للتفصيل بشأن تاريخ بخارى، انظر: دائرة المعارف بزرگ إسلامي، مادة بخارى.
[4]() لغت نامه دهخدا، مادة غنجار؛ الزبيدي، تاج العروس، مادة «غنجر»: «وإنما لقب به لحمرة وجنتيه. قلت: كأنه معرب غنچه آر».
[5]() السمعاني، مادة غنجار؛ الحاكم النيسابوري، 213؛ أيضًا ملّا زاده، 28: «واو را لقب از براي آن گفتهاند كه هر دو رخسار مبارك او سرخ بوده است».
[6]() ياقوت، المصدر نفسه: «قال: سمي غنجارًا لتتبعه وجمعه في حال شبابه أحاديث أبي أحمد عيسى بن موسى غنجار البخاري»؛ أيضًا ظ: السمعاني، 4/ 311.
[7]() عن سيرته، راجع: السمعاني، 4/311؛ الذهبي، سير، 8/487، 17/304.
[8]() انظر: الذهبي، نفس المصدر، 8 487 فما بعدها.
[9]() السمعاني، نفس الصفحة: «كان يورّق»؛ كما ذكر فيها بوصفه ورّاقًا أيضًا؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 3/209.
[10]() الذهبي، تاريخ؛ المؤلف نفسه، الصفحات نفسها: «ولم يرحل».
[11]() السمعاني، الصفحة نفسها: «كان رحل إلى مرو وكتب عن شيوخها وظني أنه لم يجاوزها»؛ عن استماعه للرواية في مدينة كرمينية، انظر: الذهبي، تاريخ، 20/128: «وقال غنجار في تاريخه: حدثنا ناصر بن محمد الأزدِی بكرمينية». وتقع كرمينية بالقرب من بخاری، راجع: ياقوت الحموي: معجم البلدان.
[12]() ابن ماكولا، 1/ 24، 25، 149، 305، 2/361، 179/ 643، 3/96، 3/177، 3/235؛ الذهبي، سير، 16/70، 24، 328، 466، 481، 17/ 30 – 38، السمعاني، 1/389، 2/104، 2/3، 115/150.
[13]() الذهبي، لمصدر نفسه، 18/177، 257، 297، ابن حجر، لسان الميزان، 4/24، 4/2، 6/200؛ السمعاني، 4/312، 5/ 286.
[14]() ياقوت، الصفحة نفسها؛ الذهبي، تذكرة، 3/1052؛ سير، 17/304؛ الصفدي، 2/60.
[15]() ملازاده، 27؛ ذكر ياقوت نقلًا عن السمعاني: «ودفن في مقبرة حوض الفدام ببخارى». بأرجح احتمال، المقصود هو «حوض مقدام» الذي ذكر على هذه الشاكلة في كتاب ملازاده (ص34) ، لكن يبدو أن ملازاده ذكر عنوان قبر غنجار في محل غير المحل الذي ذكره السمعاني.
[16]() السمعاني، 4/311؛ أيضًا: ملازاده، 28، البغدادي، 2/61.
[17]() راجع: مقالة بشار عواد معروف: «من هو مؤلف تاريخ بخاری». الأقلام، السنة 4 (ذي القعدة 2387هـ) ، 92ــ99.
[18]() ملازاده، 5.
[19]() ابن ماكولا، 1/320: «وجدته مضبوطًا كذلك في تاريخ بخاری بخط غنجار»، 2/117: «هذا النسب بفتح الجيم ووجدته بخط غنجار بفتح الجيم أيضًا». والطريف أن الخطيب البغدادي كان قد شاهد كتاب تاريخ بخارى للغنجار بخط المؤلف، ونقل منه «كذلك قرأت بخط أبي عبد الله الغنجار الحافظ وهو وهم» (6/113) ؛ أيضًا: «قرأت بخط أبي عبد الله الغنجار البخاري» (12/93) .
[20]() الذهبي، سير، 12/441، 407، 464، ابن عساكر، 52/63، 90؛ كما نقل الخطيب البغدادي أمورًا في قسم شرح أحوال محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخ بغداد كرارًا بسنده عن محمد بن أحمد، أو محمد بن أبي بكر البخاري الذي هو الغنجار نفسه.
[21]() مثلًا راجع الذهبي، المصدر نفسه 12/ 407، 409، 416، 441، 456، 448، 13/38، 39، 41، 277، 389، 424؛ أيضًا: المؤلف نفسه، تذكرة، 2/492، 3/1053، المزي، 20/423، 629؛ الخطيب، 2/331، 329، 7/446، 11/206ــ207.
[22]() مثلًا انظر: السمعاني، 1/78: «ذكره غنجار فقال: الأبهري سكن بخارى وكان يتولى عمل المظالم بخراسان وكان كذابًا ومات على باب الشاش في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة»؛ أيضًا: المؤلف نفسه، 2/22؛ قال الحافظ غنجار: توفي إسحاق بن محمد بن حمدان الخطيب يوم الجمعة أول يوم من ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة؛ 2/171: «قال غنجار: دخل الحبيبي بخارى في المحرم سنة خمس وثلاثمائة».
[23]() ابن حجر، لسان الميزان، 3/430: «وقال غنجار: حدث بأحاديث مناكير عن إسماعيل بن أحمد والي خراسان وكان متهمًا بوضعها»؛ السمعاني، الصفحة نفسها: «كان كذابًا»، السمعاني، 4/88: «قال غنجار: كان من أهل العدالة والصدق».
[24]() السمعاني 2/406: «قال غنجار: هو من قرية خنبون العليا»؛ المؤلف نفسه، 3/408: «قال غنجار: سكن الشاش في قرية يقال لها شخاخ»؛ المؤلف نفسه، 4/362؛ «قال غنجار: من قرية فرخشة».
[25]() ابن كثير، البداية والنهاية، 11/77.
[26]() السمعاني، 3/208؛ أبو محمد عبد الملك بن عبد الرحمن.. السباري من أهل بخاري حدّث بكتاب تاريخ بخارى عن مصنفه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن كامل الغنجار الحافظ»؛ أيضًا الذهبي، تاريخ، 36/ 479. السمعاني، وقد أشاد السمعاني في مادة بخاری في الأنساب بتاريخ بخارى للغنجار «وصنف تاريخها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار الحافظ البخاري وأحسن في ذلك».
[27]() مثلًا راجع: ابن حجر، التهذيب، 1/90، 5/167، 6/403: «وحكى غنجار في تاريخ بخارى».
[28]() الخطيب، 6/399، 11/206ــ207، 11/384، 51/ 398، 52/73، 63، 76، 88، 89.
[29]() السمعاني، 2/22.
[30]() المؤلف نفسه، 5/181: «جمع وصنف التصانيف منها الزيادات لتاريخ بخاری لغنجار». بشأنه راجع:
[31]() ياقوت، نفس الصفحة: «قال أحمد بن ماما الأصبهاني فيما زاده على تاريخ غنجار بعد دكر نسب غنجار كما ذكرنا».
[32]() السمعاني، 1/108: «ذكره أحمد بن محمد بن ماما الحافظ وقال...»؛ المؤلف نفسه، 5/95؛ «ذكره أحمد بن ماما الأصبهاني الحافظ في زيادات التاريخ فقال: أبو جعفر الكسماني قدم علينا يعني بخاری في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة...».
| ملاحظة: نشر هذا النص في الكتاب التالي: بحوث ودراسات مهداة إلى إيْرج أفْشَارْ، 2018، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، لندن، 395-408. |