الخصائص الببليوجرافية والتراجمية لرسالة حنين بن إسحق دراسة في الوظائف والأدوار المباشرة والبعيدة

شارك:

كمال عرفات نبهان

محتويات المقال:
مقدمة
أولا: رسالة حنين أو عمله الببليوجرافي
ثانيا: مجالات متعددة لدراسة حنين بن إسحاق
ثالثا: موضوع هذا البحث
المبحث الأول: الخصائص الببليوجرافية والتراجمية لرسالة حنين
1- أولا: سيرة ببليوجرافية ذاتية (جالينوس)
2- ثانيا: سيرة ببليوجرافية ذاتية (لحنين بن إسحاق)
3- ثالثا: ببليوجرافية النبوغ والخبرة (لجالينوس)
4- رابعا: ببليوجرافية النبوغ والخبرة (لحنين بن إسحاق)
5- خامسا: ببليوجرافية حصرية
6- سادسا: ببليوجرافية الضبط الوعائي (المخطوطات جالينوس)
7- سابعا: ببليوجرافية راجعة
8- ثامنا: ببليوجرافية نقدية للنصوص
(1) نقد نسبة العنوان إلى جالينوس
(2) تقييم مستوى الكتاب
(3) نقد مستوى الترجمة
9- ببليوجرافية موضوعية
10- ببليوجرافية تحليلية
11- حادي عشر: ببليوجرافية تعليمية تدريجية
12- ثاني عشر: ببليوجرافية المشروع الثقافي (للترجمة والاستيعاب)
13- ثالث عشر: ببليوجرافية التواصل والتعاقب الثقافي
المبحث الثاني: تحليل شبكة العلاقات الثقافية في رسالة حنين
المبحث الثالث: ببليوجرافية حنين كمصدر للتراجم
المبحث الرابع: تبويب وترقيم رسالة حنين
أولا: تقسيم الرسالة حسب الموضوعات
ثانيا: ترقيم العناوين في الرسالة
ثالثا: جدول الترقيم الهجائي المركب
رابعا: تعليق على ترقيم حنين للرسالة
إهداء
إلى حنين بن إسحق العِبادي..
المعلم الطبيب العالم المترجم المحقق..
الذي عاش وعلم وعمل وأبدع منذ اثني عشر قرنًا من الزمان.. ولكنه لا يزال يمثل مجموعة رائعة من قيّم:
العبقرية المبكرة
والعلم
والإبداع
والأمانة
والخلق الرفيع.
والذي لم يقتصر فضله على إثراء الطب والعلوم في الحضارة العربية، بل وأثرى الببليوجرافيا العربية المبكرة، والببليوجرافيا الطبية، ووصل حضارة اليونان بحضارتي السريان والعرب، بمقدرة فائقة، ومزج بين العلم والخلق، وبين العبقرية والتواضع، والذي أثبت أنّ قيّم العلم والجمال قيّم متصلة وخالدة.. عبر الزمان والمكان..
كمال عرفات نبهان

مقدمة

الببليوجرافيا قوة فكرية وعلمية وبحثية وتوثيقية، لأنها توفر وسائل اتصال بالغة الأهمية، تحتوي على حصر الإنتاج الفكري في أي شكل من الأشكال، لمؤلف معيّن أو في موضوع أو مكان أو زمان معين، وتتجلى أهمية الأعمال الببليوجرافية ويزداد الطلب عليها والدافع إلى التجميع والتأليف في مجالاتها مع تقدم حركة الفكر والعلم في مجتمع ما، وتخبو وتتضاءل أهميتها مع انحطاط الفكر والتخلف وإهدار القيّم الثقافية الراقية في عصر أو مجتمع معين.

وكانت الثقافة والحضارة العربية الإسلامية في بداية انطلاقها قوية واثقة مقبلة على تحصيل علوم الأمم السابقة عليها، إلى جانب تطوير علومها وثقافتها الخاصة، وأقبلت على تدوين ذاكرتها وذاكرات الأمم والحضارات السابقة، بعد ترجمتها في تراث مكتوب، تعدّدت فيه أشكال الفكر وموضوعات المعرفة والعلوم، وهنا أصبحت الحاجة ملحة إلى حصر الإنتاج الفكري ومؤلفات المؤلفين، سواء من العرب أو من الأمم الأخرى الذين ترجمت أعمالهم إلى العربية بالفعل، أو كان في النية ترجمتها مثل أعمال الطبيب الفيلسوف اليوناني جالينوس GALEN (المتوفى عام 199م).

ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الضبط الببليوجرافي Bibliographic Control، وظهرت الأعمال الببليوجرافية المختلفة، وتطورت من أعمال صغيرة تختص بمؤلفات مؤلف معين، إلى أعمال أوسع، حتى أصبحت ببليوجرافيات حصرية شاملة على يد محمد بن إسحق بن النديم (ت: 438هـ/ 1047م)، صاحب الفهرست في القرن الرابع الهجري، ووصلت إلى أرقى درجاتها على يد الببليوجرافي الموهوب مصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة (ت: 1067هـ/ 1657م)، صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون في القرن الحادي عشر الهجري.

ولقد وصل إلينا أقدم عمل ببليوجرافي عرفته الحضارة العربية من خلال رسالة كتبها حنين بن إسحاق العبادي في القرن الثالث الهجري أي التاسع الميلادي، وعنوانها: «رسالة حنين بن إسحق إلى علي بن يحيي فيما تُرجم من كتب جالينوس - بعلمه - وما لم يُتَرجم».

وقد ولد حنين عام (192هـ/ 808م) وتوفي عام (260هـ/ 873م)، وكان طبيبًا ومترجمًا من اليونانة إلى العربية، وكان ملمًا بالعربية واليونانية والسريانية والفارسية، وعاصر وأسهم في ازدهار الحضارة في بغداد في العصر العباسي.

ويشير حنين إلى أنه انتهى من كتابتها عام (239هـ/ 856م)، وذلك في عصر الخليفة العباسي المتوكل على الله (232هـ/ 847م - 247هـ/ 861م)، ويفصلنا عن تأليفها نحو اثني عشر قرنًا هجريًا، وهي تعد أقدم ببليوجرافية كاملة وصلت إلينا في تاريخ الإنسانية كلها، كما أن من المذهل أن المخطوطة قد بقيت سليمة عبر هذه القرون حتى عصرنا.

وهذا العمل الببليوجرافي المبكر أقدم من الفهرست لابن النديم بنحو قرن ونصف، فقد أنجز ابن النديم الفهرست حوالي عام (377هـ/ 987م) أو بعد ذلك بسنوات.

&

وتعد الرسالة في الأصل فهرسًا أو ببليوجرافية لكتب جالينوس في الطب والفلسفة، وكان جالينوس متأثرا بالثقافة التراجمية والببليوجرافية اليونانية، التي عرفت ما يُسمى بصناعة الـ «بيناكسات» (Pinaxes) أي قوائم الببليوجرافيات والتراجم، لذلك حرص جالينوس على إعداد فهرست (ببليوجرافية) لكتبه بنفسه، في القرن الثاني الميلادي، لحصر مؤلفاته، وبعد نحو سبعة قرون (يفصل بين وفاة جالينوس ووفاة حنين 674 عامًا) جاء حنين بن إسحق ليترجمها مرة إلى السريانية، ومرة أخرى أشمل وأوسع إلى العربية، ولكنه لم يقتصر على الترجمة، بل أضاف إلى النص العربي الجديد ما يعادل النص اليوناني القديم حجمًا وأهمية، وتشمل الإضافة معلومات هامة حول ما لقيه كل كتاب من كتب جالينوس عبر سبعة قرون من التعديل والإدماج والفصل، من أجل الاستخدام الدراسي لطلاب الطب في مدرسة الإسكندرية في العصرين القديم والوسيط، والتي كانت مستمرة في تدريس كتب جالينوس باليونانية، وكذلك ما حدث من ترجمة لكل كتاب من كتب جالينوس إلى السريانية أو العربية أو إليهما معًا، وما تم لبعض هذه الكتب من شرح أو تلخيص أو عرض على طريقة السؤال والجواب التي كانت مشهورة في دراسة الطب في مدرسة الإسكندرية، وانتقلت إلى الأطباء السريان الذين نقلوا الطب اليوناني إلى العربية في العصر العباسي الأول، وكذلك أشار حنين إلى مستوى كل ترجمة من ترجمات كتب جالينوس ومدى صحتها أو خطئها، كما أشار إلى ما لم يترجم إلى العربية بعد.

وقد توصل المستشرق الألماني ج. برجستراسر Bergesträsser (ت 1933م)، إلى مخطوطة هذه الرسالة، ونشر النص العربي مع مقدمة وتعليقات وكشاف باللغة الألمانية عام 1925م[1].

ويمكن أن نلاحظ على هذا العمل الببليوجرافي المبكر في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ما يلي:

أولًا: رسالة حنين أو عمله الببليوجرافي

  • الشكل الوعائي الببليوجرافي وهو (رسالة).
  • اسم المؤلف وهو حنين.
  • اسم الشخص الذي طلب من حنين تأليف الكتاب باللغة العربية وهو علي بن يحيي.
  • موضوع الكتاب، وهو موضوع مركب كما سنرى.
  • كل ذلك ضّمَّنَهُ حنين في جملة واحدة شديدة الكثافة والدلالة، كما يلي:

عندما اختار حنين بن إسحق عنوانا لعمله الببليوجرافي، وصف عمله بأنه «رسالة»، وأصبح العنوان الكامل لهذا العمل يحتوي في آن واحد على:

«رسالة حنين بن إسحق إلى علي بن يحيي فيما تُرجم من كتب جالينوس - بعلمه - وما لم يُتَرجَم».
  • والرسالة في التأليف العربي الكلاسيكي شكل من أشكال أوعية التأليف، وكانت تستوعب نوعًا من المؤلفات التي تتناول موضوعًا محددًا، وهو ما يشبه المقالة العلمية أو الأدبية في عصرنا، التي تعالج الموضوع أو الفكرة معالجة راسية متعمقة، وكانت الرسالة تحتوي في الغالب على عدد محدود من الصفحات، وإن كانت أحيانًا تستوعب كتابًا كبيرًا.
  • وسوف أخصص لهذا النوع من التأليف بحثًا مستقلاً، ولكن المهم هنا هو أن نفسر اختيار حنين لمصطلح «رسالة» لكي يستهل به عنوان كتابه أو عمله الببليوجرافي، وذلك للأسباب الآتية:
  • إنه يكتب هذا العمل العلمي استجابة لطلب من علي بن يحيى بن أبي منصور نديم المتوكل (ت: 275هـ/ 888م)، وكان من كبار رجال الدولة في العصر العباسي، وبخاصة في بلاط المتوكل على الله الخليفة العباسي، وذلك منذ نحو اثني عشر قرنًا هجريًا، وكان علي بن يحيى مهتمًا بالعلم وبالترجمة، فطلب من حنين أن يخبره عن مؤلفات جالينوس في الطب، فاستجاب حنين ووجّه إليه هذا العمل الببليوجرافي، ومن الطبيعي أن تلائمه صيغة «رسالة إلى فلان... «.
  • إن العمل نفسه علمي شديد التخصص والتحديد، فموضوعه هو حصر مؤلفات جالينوس الطبيب اليوناني، ويشمل الآتي:
  • ما ألفه جالينوس باليونانية، وسجله بنفسه في كتاب باليونانية منذ القرن الثاني الميلادي، وكان عنوانه بينَكس pinax، وترجم حنين المصطلح إلى فِينَكس، (لأنّ العرب نقلوا حرفP الثقيلة إلى فاء) ومعناه قائمة الكتب، أو القائمة الببليوجرافية.
  • ما لم يذكره جالينوس من مؤلفاته من البينكس، وقد أضافه حنين إلى الترجمة العربية.
  • ما نُسب إلى جالينوس خطأ أو تزويرًا، وقد أوضحه حنين بمنهجه النقدي، معتمدًا على معرفته الفائقة باليونانية من جهة، وبفكر وعلم جالينوس تماما، وفي حالة شديدة الندرة من التقمص والتوحد مع جالينوس، حتى في منهج الحياة وفي المرض الذي أدى إلى وفاة كل من جالينوس في القرن الثاني الميلادي، وحنين في القرن التاسع الميلادي.
  • ذكر ما ترجم من كتب جالينوس إلى السريانية.
  • ذكر ما ترجم من كتب جالينوس إلى العربية.
  • ذكر أسماء المترجمين وتقييم مستوى الترجمة.
  • تلخليص محتوى كل كتاب من كتب جالينوس.
  • ذكر ما طرأ على أي من كتب جالينوس، من تغيير في تقسيم وتبويب الكتاب، أو في عنوانه، أو تغيير لمراحل استخدامه في تعليم الطب، خاصة في مدرسة الطب بالإسكندرية التي بدأت منذ جاء الإسكندر الأكبر إلى مصر، واستمرت حتى حوالي القرن العاشر الميلادي في الإسكندرية محافظة على تقاليد العلم اليوناني، متأثرة بالحضارة المصرية القديمة في مزيج رائع وغريب من التفاعل الحضاري والإبداع.

ثانيًا: مجالات متعدّدة لدراسة حنين بن إسحق

سوف تكون شخصية حنين بن إسحق الطبيب والعالم والمترجم، ومنهجه في الترجمة وفي تحقيق النصوص المخطوطة التي يترجمها، وعصره، وإثراؤه للمصطلح العلمي العربي، ودوره الحضاري في الحضارة الإسلامية، ثم في عصر النهضة الأوربية، وفضله على جالينوس بتوصيل علمه إلى العرب ثم أوربا وحتى عصرنا الحالي، والدور العلمي الرائع الذي قام به حنين في الترجمة من اليونانية إلى السريانية والعربية، سوف يكون كل ذلك موضوعًا لدراسة مفصلة وموثقة في سلسلة من الدراسات أقوم بها حول هذه الموضوعات الهامة.

وفي دراسة سابقة[2] قمت بتحليل أهمية عناصر الفهرسة التي استخدمها حنين من أجل صياغة عمله الببليوجرافي في هذه الرسالة، وقد بلغت هذه العناصر (22) عنصرًا في بطاقة الفهرسة عند حنين، وقد استخدم ما يحتاج إليه من هذه العناصر عند وصف كل عمل من أعمال جالينوس، ثم ترجمات هذا العمل إلى السريانية أو العربية أو كليهما.

ثالثًا: موضوع هذا البحث

وبعد هذا التحليل الجزئي لعناصر الفهرسة عند حنين، يتناول هذا البحث ببليوجرافية حنين من زاوية أخرى للبحث، أي من ناحية الخصائص الببليوجرافية والتراجمية لهذا العمل، باعتباره عملًا اتصاليًا في مجال العلم والمعرفة، يُقصد به، كأي عمل ببليوجرافي، تعريف الباحث بالمصادر العلمية التي يغطيها، وتقريب المسافة بين الباحث وبين هذه المصادر، وإلغاء اللبس حول نسبتها إلى مؤلفها، وقد يتعدى بعض الأعمال هذه الحدود لكي يصبح تحليليًا وشارحًا ليعرِّف بمحتويات هذه المصادر، وربما يتصدى لتقييمها وبيان وظائفها أو أدوارها التعليمية أو التخصصية والمستويات المناسبة لقرائها... الخ.

وإذا كانت الفهرسة وعناصرها تشبه ما يحدث في علوم الهندسة والعمارة من الاهتمام بمواد البناء ومدى صلابتها ومرونتها وكفاءتها، ودقة استخدامها ونسب خلطها... الخ، وكل ذلك يتم على مستوى الوحدات الصغيرة، وهذا هو ما تفعله الفهرسة الوصفية عندما تهتم بتحديد هوية الوعاء (Medium)، سواء كان كتابًا أو مقالة أو غير ذلك، ووصف خصائصه المادية والتعريف به وبمؤلفه وكل ما يوفر شروط التعرف الدقيقة على كل وعاء، إذا كانت الفهرسة كذلك، فإن الببليوجرافية تشبه فنون العمارة وما يفعله المهندس الماهر عندما يعرف وظائف المبنى ككل، ليصوغ هندسته بما يلائم هذا الغرض أو ذاك، فقد يكون مدرسة أو منزلا أو مستشفى أو قلعة حربية الخ، ورغم أن مواد البناء يمكن أن تستخدم لكل هذه الأغراض، إلا أن الفلسفة العامة للمبنى ووظائفه تحدد الوظائف العامة والجماليات التي تسخر جزئيات مواد البناء في خدمة الكليات المقصودة من المبنى، ولذلك فإن الببليوجرافية تشبه ما يفعله المهندس المصمم للبناء، من حيث الاهتمام بالوحدات الكبيرة، أو ما يخدم الأدوار والأغراض والوظائف العامة، ورغم أن الببليوجرافي في أي عصر أو مكان تكون لديه أهداف عامة أو خاصة يخدمها ويسخر لها كل عناصر الفهرسة، إلا أن الملاحظ في كل الأعمال الببليوجرافية الهامة عبر العصور أنها تخطّت الأهداف الأساسية لإنشائها، لكي تقوم بخدمة أهداف أوسع وأعظم مما تصوره الببليوجرافي الذي جمعها وألفها، وقد حدث ذلك مثلا للفهرست لابن النديم ومفتاح السعادة لطاش كبري زادة وكشف الظنون لحاجي خليفة وغيرها، عندما أصبحت هذه الأعمال الببليوجرافية مصادر للدراسة في مجالات تاريخ الأدب والببليوجرافيا واجتماعيات المعرفة ونظم التربية والأدب المقارن... الخ.

وقد حدث الشيء نفسه بالنسبة لرسالة حنين بن إسحق موضوع هذا البحث، حيث تخطى هذا العمل الببليوجرافي كل الأهداف التي قصدت منه عند تأليفه، وأصبح يؤدي أدوارًا ووظائف أخرى كثيرة: حضارية وتاريخية واجتماعية... الخ، رغم أنها كانت من بواكير الأعمال الببليوجرافية في تاريخ الببليوجرافية العربية، حيث عاش حنين بن إسحق بين (192هـ/ 880م – 260هـ/ 873م)، ورغم مضي نحو اثني عشر قرنا هجريًا على تأليفها.

ومما يثير العجب تلك القوى المتعاظمة التي تكتسبها بعض الأعمال الببليوجرافية عبر الزمان، حيث تتزايد طاقاتها ومعطياتها مع تزايد الاهتمامات العلمية وتطور فروع العلم ومناهجه.

وفي هذه الدراسة يحاول الباحث إبراز ما يستطيع رؤيته واستقراءه من خصائص ببليوجرافية حنين، على ضوء ما قدمته وتقدمه من معطيات، وما قامت وتقوم به من أدوار علمية وتاريخية وحضارية... الخ.

وسوف يلاحظ القارئ أن هناك أنواعًا من الوظائف أعطاها الباحث تسميات جديدة تمامًا، وقد تكون غريبة عن الأسماع، ولكن ذلك ما استلزمته الظروف الموضوعية والفعلية لهذا العمل الببليوجرافي لحنين بن إسحق.

وسوف يميّز الباحث التسميات الجديدة تمامًا الواردة في هذا البحث، بعلامة نجمة (*) توضع في أعلى التسمية الجديدة.

&

المبحث الأول: الخصائص الببليوجرافية والتراجمية لرسالة حنين

يُقصد بالخصائص هنا ما تتميّز به هذه الببليوجرافية من صفات، وهذه الصفات ملازمة لمجموعة من الوظائف والإمكانيات المتوافرة فيها.

ولقد اهتم بهذه الببليوجرافية علماء ودارسون، من زوايا متعددة، ومن هؤلاء المستشرق الألماني جوتهلف برجستراسرGotthelf Bergsträsser[3] وماكس مايرهوف (ت: 1945م) Meyerhof[4] ولطفي سعدي Luțfī Sadī[5]. وهي دراسات بالغة الأهمية، ولكنها كانت في إطار دراسة تاريخ الطب عند المسلمين ثم اليونان، ولذلك كان من المهم أن تخضع للدراسة في إطار الببليوجرافيا بكل ما تراكمت فيه من خبرات ومصطلحات، وكذلك في إطار ما يسعفني الجهد والاجتهاد بوصفه وتمييزه وتسميته من الخصائص الببليوجرافية لرسالة حنين، حتى ولو كانت بعض التسميات جديدة تمامًا وغير مألوفة في علم الببليوجرافيا، حيث قمت باستقرائها من طبيعة العمل الببليوجرافي الذي تدور حوله الدراسة.

ونحن أمام عمل يضم في بنيته - رغم صغر حجمه - جملة أنواع ببليوجرافية ممتزجة، حيث يمكن القول بأن ببليوجرافية حنين تمتلك الخصائص الآتية:

أولاً: سيرة ببليوجرافية ذاتية (جالينوس)*

*An auto – Biobibliography by Galen

فرسالة حنين هي في الأصل كتاب ألفه باللغة اليونانية «جالينوس» (توفي نحو 199م)، وهو أكبر الأطباء في العصور القديمة، وسماه باليونانية ﭙِينَكْس[6]، ومعناه القائمة أو الفهرس، وقد استخدم حنين في رسالته كلمة فينَكْس بدلا من ﭙِينَكْس، حيث كان يقول: «سماه جالينوس فِينَكْس»[7]، وكذلك استخدم حنين في نفس الرسالة كلمة «فهرست» بدلا من فِينَكْس في مواضع اخرى من رسالته[8]، ولقد ألف جالينوس هذا الكتاب من قسمين: القسم الأول لحصر مؤلفاته في الطب، والقسم الثاني لمؤلفاته في المنطق والفلسفة والبلاغة والنحو[9]، وبذلك توفر لنا رسالة حنين أقدم سيرة ببليوجرافية ذاتية تعود إلى القرن الأول الميلادي، حيث عاش جالينوس (129 ـ 199م)[10].

لقد أطلق برجستراسر Bergsträsser في مقدمته باللغة الألمانية لرسالة حنين، الوصف التالي لهذا العمل الببليوجرافي: Biliographish - auto - Biographishen، وذلك يعني بالإنجليزية: Bibliographic auto - Biography وترجمته حرفيا: السيرة الذاتية الببليوجرافية.

وأعتقد أنه من الأيسر أن نستخدم الوصف التالي في سياقه بالعربية: «السيرة الببليوجرافية الذاتية»، ونضع مقابل ذلك بالإنجليزية: auto - Biobibliography لكي يعني ذلك: الترجمة أو السيرة الذاتية، التي يكتبها شخص بنفسه، ليؤرخ لإنتاجه الفكري، وبذلك يحتوي هذا المصطلح بترتيبه الحالي على الأبعاد التالية:

  • السيرة أو الترجمة وهو ما يروي حياة إنسان.
  • البعد الببليوجرافي لأن صاحب السيرة يتناول من حياته الجزء الخاص بإنتاجه الفكري ومؤلفاته.
  • الذاتية عندما يكتبها الشخص لكي يترجم أو يؤرخ لنفسه، فهو مصدر المعلومات عن إنتاجه الفكري وهو جزء من حياته.

وهذه التسمية هي نوع من التخصيص للمصطلح الشائع: سيرة ذاتية Auto - biography، حينما تشير إلى كتابة الشخص سيرة حياته بشكل عام، وبإضافة صفة «ببليوجرافية» يقتصر الوصف على الإنتاج الفكري للشخص صاحب السيرة.

وقد أسّس حنين رسالته على ببليوجرافية جالينوس، حيث ترجمها إلى العربية، وقد مزج النص اليوناني لجالينوس بإضافاته التي ذكر فيها ترجمات كل كتاب إلى كل منا للغتين السريانية والعربية، كما هو مفصل في موضع آخر من هذه الدراسة.

&

ثانيًا: سيرة ببليوجرافية ذاتية (لحنين بن إسحاق)*

*An auto - biobibliography of (Ḥunain Ibn Isḥāq)

فإلى جانب ما ألفه جالينوس حول مؤلفاته في القرن الأول الميلادي، أضاف حنين مادة جديدة عن نفسه، حيث ذكر ما يلي:

  • ما قام به من ترجمات لأعمال جالينوس، سواء إلى السريانية أو العربية أو كليهما.
  • ما قام بمراجعته أو إعادة ترجمته من أعماله المبكرة.
  • ما قام بمراجعته وتصحيحه من ترجمة غيره.
  • ما أضافه حنين إلى بعض كتب جالينوس عندما قام بترجمته، من تلخيص أو إعادة ترتيب... الخ. مما يعد عملًا تأليفيًا قام به حنين إلى جانب الترجمة[11].

&

ثالثًا: ببليوجرافية النبوغ والخبرة (لجالينوس) *

*Genius and experience bibliography of Galen

وهذه الخاصية هي فرع يَنبُت من طبيعة السيرة الببليوجرافية الذاتية لجالينوس، ولكن هناك أهمية تستدعي صياغة تسمية خاصة لها، وذلك من أجل إفرادها وإبرازها وتمييزها، لأهميتها الخاصة بالنسبة لهذا العمل الببليوجرافي بالذات.

فقد وردت في ترجمة حنين للنص اليوناني عند الإشارة إلى بعض مؤلفات جالينوس، الإشارة إلى مرحلة العمر التي ألف فيها الكتاب، وخاصة في مطلع شبابه، وقد اعتُبر جالينوس معجزة من حيث نبوغه المبكر في الطب منذ سن مبكرة[12]، وأصبح ذلك مقرونا أيضا بالإشارة إلى أماكن وجود جالينوس عند تأليفه لبعض كتبه، وهو ما يشير إلى خبراته وبعض مراحل عمره[13].

&

رابعًا: ببليوجرافية النبوغ والخبرة (لحنين بن إسحاق) *

*Genius and experience bibliography of Ḥunain

وينطبق هنا على حنين بن إسحاق، نفس ما ذكر عن جالينوس، فقد حرص حنين الذي تقمّص شخصية جالينوس إلى درجة بعيدة، على أن يذكر ما قام بترجمته في سن مبكرة، عندما بدأ الترجمة من اليونانية إلى السريانية وهو في السابعة عشرة من عمره[14]، توكيدا لجانب النبوغ المبكر لحنين، كما كان حنين حريصا على أن يشير مرات كثيرة إلى ترجمات سابقة له قام بإعادة النظر فيها بعدما تقدّم في السن والخبرة، أو كما يشير بأسلوبه «بعد استكمال السن»[15]، وقد توصلت إلى أنها سن الأربعين أو ما بعدها[16]، وكذلك حرص على ذكر بعض الأماكن التي كان موجودا بها عندما ترجم بعض الكتب[17]، مثلما فعل جالينوس أحيانا، وقد بلغ من شدة التشبه بجالينوس وتقمص أدواره، أن يذكر حنين في رسالته وجود علاقات بين ترجمة وأخرى من ترجماته لجالينوس، مثلما فعل هذا الأخير بذكر العلاقة بين كتاب وآخر من مؤلفاته[18].

&

خامسًا: ببليوجرافية حصرية *

*A Comprehensive Bibliography

ويشمل الحصر هنا مؤلفات جالينوس وترجماتها السريانية والعربية. ومن المنطقي أن نفترض أن جالينوس عندما ألف قائمة بمؤلفاته كان يحاول أن يجعلها بقدر استطاعته حصرية تشمل كل ما الفه في الطب والمنطق والفلسفة والبلاغة والنحو، ولكن رسالة حنين تحتوي على مؤلفات لم يذكرها جالينوس في النسخة اليونانية من الـ «بينَكْس» لسبب أو لآخر، وأضافها حنين في ترجمته بعد أن اجتهد في استكمالها، كما ذكر ما رآه من أسباب لعدم ذكر جالينوس لها[19]، وقد بلغ عدد الكتب التي ذكرها حنين لجالينوس في هذه الترجمة العربية 129 عنوانًا لجالينوس، فازدادت بذلك الطاقة الحصرية لهذه الببليوجرافية، وإن كان لا يزال بها بعض النقص[20].

أما الترجمات إلى السريانية والعربية، سواء لحنين أو لغيره، فهذه الرسالة هي المصدر الببليوجرافي الوحيد الذي تمّ حصرها وحفظها للتاريخ حتى الآن.

&

سادسًا: ببليوجرافية الضبط الوعائي (المخطوطات جالينوس) *

* A Bibliography of media Control (Galen ’s Manuscripts)

وقد شمل الوعي الببليوجرافي لحنين في رسالته وإدراكه لوظيفة الببليوجرافيا، كأداة حصر وضبط، قيامه بتسجيل قائمة حضور وغياب: حضور لما وجد من نسخ مخطوطة من كتب جالينوس وعددها وكيف كانت حالتها، سواء ما وجد منها مكتملًاً، وما وجد ناقصًا، وغياب ما لم يوجد حتى عصره، وكان الأمر يصل به إلى القول بخصوص بعض الكتب، «ونسخته باليونانية في كتبي[21]».

ولعل ذلك كان جزءًا من حركة الوعي حينئذ بالضبط الببليوجرافي لكتب الإغريق، والضبط الوعائي أيضًا لنسخها المخطوطة باليونانية، حرصًا على امتلاكها وليس السماع عنها فقط.

ولقد اتّضح عبر السنين والقرون التالية، أن المعلومات الببليوجرافية التي تناقلتها الأعمال الببليوجرافية التالية لحنين، والتي تتعلق بكتب جالينوس وأبقراط، وعن ترجماتها السريانية والعربية، قد استيقت تقريبًا من رسالة حنين[22].

&

سابعًا: ببليوجرافية راجعة *

*A Retrospective Bibliography

فهي تغطّي مجالًا زمنيًا له نقطة ابتداء وهي النشاط التأليفي لجالينوس في القرن الأول الميلادي، ونقطة إغلاق وهي تاريخ انتهاء حنين من ترجمته لـ «بينَكْس» جالينوس، وإضافته واكتمال الإبرازة[23] الأخيرة لرسالته في عام 249هـ/ 864م[24]، وربما زيدت عليها بعض الإضافات من أحد تلاميذه أو من صاحب هذه النسخة من الرسالة[25].

وفيما بين عصر جالينوس وعصر حنين، حدثت معالجات مختلفة لكتب جالينوس في مدرسة الإسكندرية لتعليم الطب، قام حنين بالإشارة إليها في مواضعها من الرسالة، بدقة ومقدرة فائقة[26].

&

ثامنًا: ببليوجرافية نقدية للنصوص *

 *A Textual Criticism Bibliography

وقد رأيت أهمية إطلاق هذه الصفة على رسالة حنين، لأنه كان في عمله الببليوجرافي يتسلّح بمعرفة ومقدرة المحقّق الذي يتعامل بالنقد والمقارنة لنصوص جالينوس التي يشير إليها، ويمكن حصر أبعاد هذا المنهج النقدي في رسالة حنين في العناصر الآتية:(1) نقد نسبة العنوان إلى جالينوس

(1) نقد نسبة العنوان إلى جالينوس

لم يقتصر حنين على استكمال الناقص في ببليوجرافية (بينَكْس) جالينوس، بل حرص أيضا على شيء آخر مهم، وهو نقد النصوص المنسوبة إلى جالينوس للتحقق من صحة نسبتها إليه أو زيفها، بناء على معرفة حنين بأسلوب جالينوس ومستوى علمه بالطب وغيره، إلى جانب معرفة حنين باللغة اليونانية بمقدرة فائقة، وكونه طبيبًا يعرف أسرار الموضوع وخباياه. واستطاع بذلك استبعاد بعض العناوين المنسوبة إلى جالينوس وهمًا أو زورًا[27].

وقد حدث بالنسبة لكثير من المفكرين المشهورين أن نسبت إليهم مؤلفات مزوّرة، سواء بقصد التجارة والكسب من جانب بعض المزوّرين، أو المباهاة من جانب البعض بامتلاك عناوين ليست عند غيرهم لمؤلفين مشهورين، أو بطريق الوهم واختلاط النسبة خلال تعاقب العصور وتهافت الأدمغة وضعف الهمم وغياب الضبط الببليوجرافي، أو تفتّت الكتب الكبيرة لبعض المؤلفين إلى كتيبات صغيرة تأخذ عناوين غريبة، مع تنوع إضافات الطلاب والدارسين إلى دفاترهم الدراسية التي تتحول بمرور الزمن إلى «مخطوطات» تحيط بها هيبة القدم ونكهة التاريخ، وكذلك انتقال الشروح والتعليقات من هوامش بعض النسخ إلى النص الأصلي عند إعادة نسخها. إلى آخر ما تعرفه المخطوطات القديمة من مشكلات وتشويش، وكذلك «عدم وضوح فكرة ملكية الكتاب لمؤلفه في بعض الأحيان في العصور القديمة»[28].

ولقد ابتكر علماء تحقيق النصوص أساليب لعلاج هذه المشكلات، من بينها ما كتبه المستشرق ﭙاول ماس في دراسة له بالألمانية بعنوانTextkritik ،وتعني «نقد النص» وكذلك فيليب جاسكل حول مناهج التحقيق وببليوجرافيا النصوص Textual bibliography وبرجستراسر، وغيرهم[29].

ومن الملفت للنظر أن يلجأ حنين إلى كثير من الأساليب التي يبلورها هؤلاء العلماء، في وقت مبكر من تاريخ التأليف العربي، أي منذ أحد عشر قرنًا ونصف تقريباً[30]، ولا غرابة في ذلك، إذ إنّ عصور المخطوط كانت تستلزم من العلماء أن يتسلحوا بأساليب منهجية لنقد النصوص المخطوطة التي يستخدمونها من النواحي النصِّية والببليوجرافية وغيرها، وهذا ما فعله حنين بالنسبة لأعمال جالينوس عندما قام بحصرها وتدوينها في رسالته، وتوضح ما نسب إليه عن طريق الوهم أو الخطأ، وتوضيح وجهة نظره في كل حالة[31].

(2) تقييم مستوى الكتاب

ولم يُغفل حنين أيضا تقييم المستوى الذي بلغه جالينوس في تأليف كتبه ومعالجته لموضوع الكتاب.

(3) نقد مستوى الترجمة

كما تضمنت رسالة حنين نقده لمستوى كثير من الترجمات لكتب جالينوس، سواء كانت ترجمات إلى السريانية أو إلى العربية، أو كانت ترجمة كاملة أو جزئية لنص جالينوس.

&

تاسعًا: ببليوجرافية موضوعية ٭

٭A Subject Bibliography

فهي تنحصر في موضوعين: أحدهما هو الغالب، ويشمل مؤلفات جالينوس في الطب، والآخر بنسبة أقل، وهو مؤلفات جالينوس في المنطق والفلسفة والبلاغة والنحو، وقد قسمها حنين إلى قسمين حسب الموضوعين السابقين[32].

وهذا العمل الببليوجرافي المبكر، الذي كان يمثل معالجة رأسية متخصصة في موضوع محدد (الطب) أساسا، وفي إنتاج مؤلف محدد (وهو جالينوس)، كان من المصادر الهامة والركائز الأساسية التي «مهدت السبيل واضحًا أمام ابن النديم الذي جاء بعد نحو قرن ونصف، لكي يقوم بالتجميع الببليوجرافي الشامل في معالجة أفقية تغطي معظم موضوعات المعرفة»[33].

عاشرًا: ببليوجرافية تحليلية ٭

٭An Analytical bibliography

تضمّن الجهد الببليوجرافي في ببليوجرافية حنين تحليل موضوع كل مقالة أو جزء من كل كتاب لجالينوس بالتفصيل، حيث كان يعطي بيانات ومعلومات عن تبويب وتقسيم ومضمون كتب جالينوس، وكانت كتبه تنقسم في الغالب إلى مقالات، ويتدرج عدد المقالات من مقالة واحدة في الكتاب[34]، حتى يصل في بعضها إلى ست عشرة مقالة[35]، وكانت بعض كتبه تنقسم إلى أجزاء، وينقسم كل جزء إلى مقالات[36].

(مخطط تبويب الكتاب عند جالينوس)

ويلاحَظ في هذا المجال عدم الاقتصار على توضيح موضوع المقالة فحسب، وإنما كان التحليل يتعمق أحيانا للتعريف بمحتوى بعض التفاصيل في المقالة، في حالة احتوائها على أكثر من موضوع، ولكن هذا التحليل لم يكن يشمل كل الحالات، فهناك حالات اقتصر فيها على التعريف بمحتويات بعض المقالات من الكتاب دون الأخرى[37]. ويشير برجستراسر إلى أن التحليل كان أيضا يشير إلى تعليقات جالينوس على أبقراط، وهي معلومات تجاوزت ما هو معروف عند العلماء في مجال تاريخ الطب في العصور اليونانية القديمة[38].

ويمكن، بمصطلحات عصرنا، أن نقول أن التحليل كان يشمل مستويين من كتب جالينوس:

  1. تحليل محتويات الوعاء الكبير (Macro - medium) وهو الكتاب ككل.
  2. تحليل محتويات الوعاء الصغير (Micro - medium) وهو في كتب جالينوس إما جزء يحتوي على عدة مقالات أو مقالة ضمن مقالات الكتاب، والمقالة هي أصغر الوحدات التي يتكون منها الكتاب.

وقد حدث هذا التحليل في معظم الكتب التي ذكرها حنين في هذا العمل الببليوجرافي. ويعتبر مايرهوف أن هذا العرض الببليوجرافي تم من خلال رؤية جنين[39].

حادي عشر: ببليوجرافية تعليمية تدريجية٭

*An educational & progressive Bibliography

وقد وجدتُ أن من الضروري إطلاق هذه التسمية على ببليوجرافية حنين، لأنه يشير في بعض الحالات إلى الكتب التي وضعها جالينوس في الأصل من أجل تعليم الطب للطلاب الذين كان يقسمهم إلى مستويين: المتعلمين ثم المستكملين، أي الذين أتموا دراسة الطب ولكنهم يتابعونه.

ومن أمثلة ما ذكره حنين من كتب جالينوس التعليمية:

مثال (أ): «كتابه في الفرق: هذا الكتاب مقالة واحدة، كتبها [جالينوس] إلى المتعلمين...».

مثال (ب): «كتابه في الصناعة الطبية: هذا الكتاب أيضا مقالة، ولم يعنونه جالينوس إلى المتعلّمين، لأن المنفعة في قراءته ليست تخص المتعلمين والمستكملين، وذلك لأن غرض جالينوس فيه أن يصف جميع جمل الطب بقول وجيز، وذلك نافع للمتعلمين وللمستكملين، أما المتعلم فكَيْمَا يسبق فيتصور في وهمه جملة الطب كله على طريق الرسم، ثم يعود بعد ذلك في جزء منه فيتعلم شرحه وتلخيصه والبراهين عليه من الكتب التي بالغ فيها في الشرح، وأما المستكمل فكيمْا يقوم له مقام التذكرة لجملة ما قد رآه وعرفه بالكلام الطويل[40].

كما أوضح حنين أيضا - نقلا عن جالينوس - مرتبة الكتاب في مراحل التدرج الدراسي في تعلم الطب، وكذلك علاقة الكتاب بكتاب/ أو كتب أخرى لجالينوس من حيث أسبقية بعضها في القراءة من أجل التدرج الدراسي، مثل كتاب جالينوس: «في المزاج... يجب قراءته بالضرورة قبل كتاب حيلة البرء...»[41].

ثاني عشر: ببليوجرافية المشروع الثقافي (للترجمة والاستيعاب) ٭

*A Bibliography of cultural project (Translation and Comprehension)

وهذه تسمية جديدة وجدت من الضروري إطلاقها على ببليوجرافية حنين، ورغم أن معظم الأعمال الببليوجرافية الجديدة هي بطبيعتها مشروعات ثقافية وحضارية، سواء على المدى القصير أو البعيد، وسواء أدرك ذلك مصنفوها أم لا، لأهمية الضبط الببليوجرافي في أي مجال زمني أو مكاني أو موضوعي أو إنساني... الخ، بالنسبة للوعي الفكري والعلمي، وكامتداد ببليوجرافي للذاكرة الخارجية للإنسان[42]. أقول رغم ذلك، فإن ببليوجرافية حنين بالذات رغم صغر حجمها، تعتبر مشروعا ثقافيا واضح المعالم مكتمل الصفات، للأسباب الآتية:

  1. الظروف التاريخية لظهورها، في ذروة الطفرة العلمية والفكرية في الحضارة العربية الإسلامية في العصر العباسي، حيث عاش حنين بن إسحق، والذي لم نشهد له مثيلا فيما بعد، إلا في حالات محدودة في هذه الحضارة، بهذا الاندفاع والثراء والجرأة والخصوبة.
  2. وفي هذه الظروف التاريخية الحضارية، تعد ببليوجرافية حنين - حسب علمي - ليست مجرد ببليوجرافية ترجمة فحسب، بل إنها أقدم مشروع حضاري للترجمة في مجال العلوم العقلية بوجه عام، وفي مجال الطب بوجه خاص، وذلك من اللغة اليونانية التي كانت منذ عدة قرون، قبل مجيء حنين، هي اللغة العالمية في مجال العلوم والفلسفة في العالم القديم، وظلت كذلك حتى ظهور الإسلام، حيث لم تستطع لغة أخرى أن تقوم مقام اليونانية بالكامل، حتى ولو كانت السريانية؛ لأن الأخيرة - رغم فضلها - لم تشهد تطورًا لما نقل إليها حتى تصل إلى مرحلة الإبداع والاستقلال والانطلاق كما حدث مع اللغة العربية، التي استفادت حقًا من علم السريان وعبقريتهم، كما استفادت من لغات وعبقريات أخرى، ولكنها ما لبثت أن أصبحت لغة العلم العالمية الأولى بالتدريج منذ نشأة حركة العلم العربي والإسلامي في الدولة الأموية، وتطورها في العصر العباسي، وظلت هذه اللغة سيدة العلم والاتصال العلمي، حتى تجاوزت عصر النهضة الأوربية، وأصبح العالم على مشارف العصر الحديث.
  3. تبلور الوعي لدى الحكام والعلماء في المجتمع العربي الإسلامي في العصر العباسي بأهمية ترجمة العلوم، وخاصة مؤلفات جالينوس الذي اعتبر أعظم علماء الطب اليوناني، والذي تجمعت في مؤلفاته خلاصة علوم الحكمة والطب، والتي انحدرت إلى الإغريق أساسًا من حضارات مصر القديمة وعبقرياتها في عدة آلاف من السنين، وكذلك من الحضارات القديمة الأخرى المقاربة للحضارة المصرية، ثم تراكمت فوقها وتفاعلت معها إنجازات الحضارة الإغريقية وعبقريات علمائها وحكامها.
  4. ويتجلّى هذا الوعي الحضاري في ببليوجرافية حنين، ونرى ذلك ماثلًا في ذهنه عندما حصر ترجمات كتب مؤلف واحد هو جالينوس، وعبر عنه في عنوان الرسالة الواضح الدقيق «فيما ترجم من كتب جالينوس وما لم يُترجم»، وكذلك في قول حنين في مقدمة رسالته:

«... فإن بنا... حاجة إلى أن نعلم ما تُرجم من هذه الكتب إلى اللسان السرياني والعربي وما لم يترجم، وما كنت أنا المتولي لترجمته دون غيري، وما سبقني إلى ترجمته غيري ثم عدت فيه فترجمته، أو أصلحته، ومن تولى ترجمة كتاب من الكتب التي تولى ترجمتها غيري... وأي تلك الكتب مما لم يترجم إلى هذه الغاية وُجدت نسخته باليونانية، وأيها لم توجد له نسخة أو وجد البعض منه، فإن هذا أمر يُحتاج إليه ليُعنى بترجمة ما قد وجد منها، ويُطلبَ ما لم يوجد...»[43].

  • ومن نص حنين السابق يمكن أن نلاحظ أن الملامح الدقيقة لهذا المشروع الببليوجرافي الثقافي متمثلة في العناصر الآتية:
  • معرفة ما ترجم من كتب جالينوس من اليونانية إلى السريانية والعربية.
  • معرفة ما لم يُترجم منها إلى السريانية والعربية.
  • معرفة ما ترجمه حنين بنفسه وما قام بإعادة ترجمته أو إصلاحه في مرحلة تالية من عمره.
  • معرفة ما قام حنين بإعادة ترجمته أو إصلاحه من ترجمة غيره، سواء من تلاميذه أو من السابقين عليه أو المعاصرين له من المترجمين السريان الذين ترجموا من اليونانية إلى السريانية، ومن اليونانية إلى العربية، ومن السريانية إلى العربية.
  • مبلغ قوة كل واحد من هؤلاء المترجمين في الترجمة.
  • معرفة بعض الذين تُرجمت لهم هذه الكتب، سواء من الأطباء السريان أو من الحكماء والعلماء والمثقفين من العرب في عصر حنين؛ ومن الطبيعي أن يمثل ذكر هؤلاء في هذه الببليوجرافيا حافزا هاما في عصره للتنافس بين أفراد هذه الفئات في تشجيع المزيد من الترجمة.
  • معرفة ما لم يُترجم حتى وقت إنجاز حنين لعمله الببليوجرافي.
  • معرفة ما وُجدت نسخته أو نسخه باليونانية مما لم يترجم حتى وقت حنين.
  • معرفة ما لم توجد نسخته باليونانية.
  • معرفة ما وجدت أجزاء من نسخته.
  • توضيح الطريق لما وُجد ليُعنى بترجمته.
  • البحث عما لم يوجد من نسخ كتب جالينوس.
  • أوضح حنين، بالإضافة إلى ذلك، ما لا يصلح للترجمة من كتب جالينوس إلى لغة أخرى بخلاف اليونانية، لارتباطها بمصطلحات لا داعي لترجمتها من وجهة نظره، ومن أمثلة ذلك:

«كتابه [أي جالينوس] في ألفاظ بقراط... وغرضه فيه أن يفسر ألفاظ بقراط في جميع كتبه، وهو نافع لمن يقرأ باليونانية، وأما من يقرأ بغير اليونانية، فليس يحتاج إليه، ولا يمكن أيضا أن يترجم أصلاً»[44].

ولسنا بحاجة إلى التنبيه إلى ما نحن عاجزون عنه في عصرنا الحالي في مجالات كثيرة من العلم والمعرفة للسيطرة على ما ترجم وما ينبغي ترجمته إلى العربية، حتى يكتمل لدينا مشروع ثقافي للترجمة، يضاهي ذلك الذي تجلى في مشروع حنين، والذي يمكننا القول بأنه كان أحد الأسس التي ارتكزت عليها حركة تأسيس العلم العربي والحضارة العربية الإسلامية منذ وقت مبكر.

&

ثالث عشر: ببليوجرافية التواصل والتعاقب الثقافي *

*A Bbliography of Cultural Intercommunication and Succession

وقد وجدت أن هذه التسمية ضرورية لوصف إحدى الخصائص الهامة لرسالة حنين، والتي تتميز بها أكثر من أي عمل ببليوجرافي آخر مما ظهر بعدها، ونظرًا لأنها تحمل كل الخصائص الببليوجرافية السابقة، التي استخلصتها من الوظائف المباشرة لببليوجرافية حنين، والتي تتضح كمعطيات مباشرة من مجرد التعامل مع البيانات الببليوجرافية والمعلومات المصاحبة لها.

وإلى جانب كل هذه المعطيات المباشرة، فإن ببليوجرافية حنين عندما تخضع للدراسة الببليوجرافية والتحليل التاريخي، تعتبر نصًا وافر الخصوبة، أو نصًا يتجاوز نفسه ويتجاوز كلماته، وهذه طبيعة الوثيقة التاريخية التي يتعود الباحث استنطاقها لكي تبوح بأكثر مما قصد منها في لحظة ولادتها التاريخية، فكما أننا نستطيع أن ندرس وثيقة زواج قديمة على لفافة بردي عربية مثلا، فنخرج منها بأكثر مما قصد منها عند «توثيق علاقة الزواج»، مثل معرفتنا بالإطار الديني والمذهبي الذي حدث فيه الزواج، وبالشروط التي تم التعاقد عليها، وبالأسماء التي وردت فيها، للزوجين والشهود والموثقين وغيرهم، وما تدل عليه من خصائص اجتماعية وطبقية للأسماء التي تحمل كثيرًا من قيّم المجتمع وأحلام الناس أو مخاوفهم أو عدوانهم أو وداعتهم، مما يتضح من مجرد دراسة وتحليل أسماء الناس في مكان أو زمان معين، فإننا نستطيع أيضًا من رسالة حنين أن نخرج بمعلومات تاريخية قيّمة ودقيقة وخصبة، حول ظاهرة التواصل بين الحضارات والثقافات، وتَعَاقُبها وتبادلها للأدوار، بحيث تتقادم واحدة وتتسلم واحدة أخرى دورها، مثلما تقادمت اللغة اليونانية كلغة عالمية للعلم وكذلك اللغة السريانية، وحلت محلها العربية لقرون طويلة فيما بعد، أو يحدث التبادل والاتصال، ثم يستمر طرفا الاتصال في التواجد معًا، مثلما تبادل علماء المجتمع المسيحي السرياني والمسيحي العربي خبرتهم وعلمهم وثقافتهم مع علماء ومثقفي المجتمع الإسلامي العربي، واستمر كل هؤلاء، ولم يحدث أن اختفى واحد من المسرح حتى الآن.

&

المبحث الثاني: تحليل شبكة العلاقات الثقافية في رسالة حنين

ويمكنني أن أستخلص ثم أطرح آفاقًا وبذورًا للدراسة من رسالة حنين، باعتبارها نصًا يتجاوز الوظيفة الببليوجرافية المباشرة، لكي يصبح مصدر معلومات عن: التواصل Intercommunication والتعاقب Succession، والتبادل Exchange، والتوارثHeridity ، بين عدة حضارات وثقافات ولغات وديانات هي: اليونانية والسريانية والعربية والمسيحية والإسلامية، (بين القرن الـ9م حيث عاش حنين والقرن الـ20م)، وبعد نحو إثني عشر قرنًا هجريًا تعود رسالة حنين بعد اكتشافها ونشرها على يد برجستراسر في الربع الأول من القرن العشرين[45]، لكي تؤدي دورين هامين آخرين في التنقيب Exploration والاستعادة Retrieval، حيث أصبحت موضع دراسة للباحثين عن التراث اليوناني المجهول (وبخاصة معرفة مؤلفات جالينوس)، وكذلك للدراسة بالألمانية (عند برجستراسر الذي نشر نَصَّ الرسالة) وبالإنجليزية عند كل من مايرهوف، ولطفي سعدي، وغيرهم.

وفي الجدول التالي أضع ملخصًا ونموذجًا لشبكة العلاقات التي يمكنني استخلاصها - مبدئيًا - من معطيات رسالة حنين:

ملاحظات على مراحل التواصلالمتلقي الثانيالمتلقي الأول أو الوسيطالمصدر الأولعداد
3 مراحلالثقافية العربية (المعرفة)الثقافية السريانية (المعرفة)الثقافية اليونانية (المعرفة)01
3 مراحلاللغة العربية (المصطلحات)اللغة السريانية (المصطلحات)اللغة اليونانية (المصطلحات)02
مرحلتان...اللغة العربية (المصطلحات)اللغة السريانية (المصطلحات)03
مرحلتان...اللغة العربية (المصطلحات) مباشرةاللغة اليونانية (المصطلحات)04
مرحلتان...المجتمع المسلم العربي (العلماء والحكام)المجتمع المسيحي السرياني (الأطباء والعلماء)05
مرحلتان...المجتمع المسلم العربي (العلماء والحكام)المجتمع المسيحي العربي (الأطباء والعلماء) ملحوظة: حنين بن إسحق مسيحي نسطوري عربي من قبيلة عربية اسمها العِبَاد[46].06
مرحلتان...الثقافة اليونانية القديمة من جديد بعد ضياع كثير من معالمها الببليوجرافية، مثل حصرمؤلفات جالينوس واستعادتها من جديد عن طريق رسالة حنينالثقافة العربية07
مراحل متعددة ومتداخلة...الثقافة الأوربية الحديثة التي درست رسالة حنين، كالألمانية والإنجليزية... الخالثقافة العربية08
«شبكة العلاقات الثقافية والتاريخية المستخلصة من رسالة حنين بن إسحق»

المبحث الثالث: ببليوجرافية حنين كمصدر التراجم

وإلى جانب كل الأبعاد الببليوجرافية السابقة لرسالة حنين، فهناك البعد التراجمي Biographical ، وهو البعد الملازم دائمًا للببليوجرافيا، حيث تحتوي رسالة حنين بين ثناياها على ذكر لكثير من الأسماء، وتشمل ثلاث فئات من الناس:

  1. أسماء المترجمين، سواء قبل عصر حنين أو في عصره، وتعد رسالة حنين هي المصدر الوحيد الذي ذكر هؤلاء بهذا القدر من التفصيل، مع معلومات دقيقة حول ترجماتهم ومستواهم في الترجمة وأدوارهم المختلفة في الترجمة، وليس هناك مصدر آخر عن هذه الترجمات وأصحابها[47].

ومن هذه الرسالة نقل ابن أبي أصيبعة وابن النديم فيما بعد معظم ما ذكروه عن مؤلفات جالينوس وترجماتها ومترجميها.

  • أسماء المهتمين بالترجمة والذين كانوا يمولونها والذين كانوا يطلبون ترجمتها، وينقسم هؤلاء إلى قسمين:
  • الأطباء السريان الذين كانوا يطلبون ترجمة أعمال لجالينوس، إلى السريانية أساسًا في عصر حنين وقبله.
  • الحكام والمثقفون العرب، الذين كانوا يطلبون ترجمة أعمال لجالينوس إلى اللغة العربية، سواء كان نقلًا عن الترجمات السريانية السابقة أو عن اليونانية مباشرة.

&

المبحث الرابع: تبويب وترقيم رسالة حنين

من أهم خصائص العمل الببليوجرافي كيفية ترتيبه للمادة الببليوجرافية. ولذلك فسوف نوضح هنا ما فعله حنين من أجل ذلك، ونتبين في رسالته أربع مسائل هامة هي:

أولًا: تقسيم الرسالة حسب الموضوعات.

ثانيًا: ترقيم العناوين في الرسالة.

ثالثًا: جدول الترقيم الهجائي المركب الذي استخدمه حنين في ترقيم مداخل الكتب في رسالته.

رابعًا: تعليق على ترقيم حنين للرسالة.

ونتحدث عن كل منها بالتفصيل:

&

أولًا: تقسيم الرسالة حسب الموضوعات

حينما وضع جالينوس فهرست كتبه (ﭙينكْس كتبه)، اتّخذ له تقسيمًا يتماشى مع طبيعة مؤلفاته والمجالات الموضوعية التي ألف فيها، ويشير حنين في رسالته إلى ذلك بقوله:

«أما الكتاب الذي سماه جالينوس «فينكس»[48] وأثبت فيه ذكر كتبه فهو مقالتان، ذكر في المقالة الأولى منه كتبه في الطب، وفي المقالة الثانية كتبه في المنطق والفلسفة والبلاغة والنحو»[49].

وقد بلغ ما ذكره حنين في رسالته من كتب جالينوس في الطب (114) عنوانًا[50] ومن كتبه في البرهان (المنطق) ثلاثة عناوين، وفي الأخلاق أربعة عناوين وفي الفلسفة سبعة عناوين، وفي البلاغة والنحو عنوان واحد، ولم يجد حنين سوى هذا العنوان رغم كثرة المؤلفات في هذا الموضوع عن جالينوس حسب قول حنين[51]. وبذلك يبلغ ما ذكره حنين في رسالته لجالينوس (129) عنوانًا.

ومن الواضح أن هذا التقسيم هو من وضع جالينوس، وقد التزم به حنين، حتى عندما أضاف بعض مؤلفات جالينوس التي لم يذكرها في النسخة اليونانية[52].

&

ثانيًا: ترقيم العناوين في الرسالة

نلاحظ في ترقيم عناوين الكتب في رسالة حنين استخدامه لترقيم خاص استخدم فيه الحروف الأبجدية حسب ترتيب (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ). كما يلاحظ أنه لم يستخدم أي ترقيم حسابي، بل اكتفى بالحروف الأبجدية في تمثيل كل الأرقام التي احتاج إليها ومجموعها (129) رقمًا. وأعتقد بشكل قوي أن هذا الترقيم من اختيار حنين، على الأقل لأنه يستخدم حروفا أبجدية عربية، وإن كان من الممكن أن نفترض أن النص اليوناني لجالينوس كان مرقمًا باستخدام الحروف اليونانية أيضا، لأن «حنين» كان يقتفي آثار جالينوس ويقلده في حياته وطريقته بشكل قوي، ولو كان جالينوس استخدم الأرقام الحسابية لاستخدم حنين أرقامًا حسابية أيضًا؛ ولأن عصر جالينوس لم يكن يعرف الأرقام البسيطة السهلة التي عرفتها الحضارة الإسلامية وخاصة الصفر، والتي أخذتها أوروبا العصور الوسطى اللاتينية عن المسلمين، واعتُبِر «الصفر» معجزة حينئذ. ولكن من المهم أن نشير إلى أن استخدام الحروف الأبجدية للترقيم كان أمرًا معروفًا في الثقافة العربية في التنجيم والفلك وحساب الجُمَّل في الشعر... الخ.

&

ثالثًا: جدول الترقيم الهجائي المركَّب

ويتضمّن الجدول التالي هذا الترقيم الذي استخدمه حنين، بعد أن قمت باستخلاصه من داخل المتن، وسوف يلي هذا الجدول تحليل لنظام الترقيم.

صترقيم حنينترقيم حسابيصترقيم حنينترقيم حسابيصترقيم حنينترقيم حسابيصترقيم حنينترقيم حسابيص[53]ترقيم حنينترقيم حسابي[54]
 قكـ120  ص90 س60 ل30  
49قكا12140صا9131سا61 لا313أ1
 قكب122 صب92 سب6222لب32 ب2
 قكج123 صج93 سج63 لج334ج3
50قكد124 صد9432سد64 لد345د4
 قكه12541صه95 سه65 له35 هـ5
 قكو12642صو96 سو6623لو366و6
 قكز127 صز9733سز67 لز377ز7
51قكح128 صح98 سح6824لح388ح8
52قكط129 صط99 سط69 لط39 ط9
    ق100 ع70 م40 ي10
   43قا10134عا71 ما419يا11
    قب102 عب72 مب42 يب12
   44قج103 عج7325مج4310يج13
    قد10435عد74 مد4411يد14
    قه105 عه75 مه4512يه15
    قو106 عو7626مو4613يو16
   45قز107 عز77 مز47 يز17
    قح108 عح78 مح4815يح18
    قط10936عط7927مط49 يط19
    قي11037ف80 ن5016ك20
    قيا111 فا8128نا5119كا21
    قيب112 فب82 نب52 كب22
   46قيج11338فج8329نج5320كج23
    قيد114 فد84 ند54 كد24
   47قيه115 فه85 نه55 كه25
    قيو11639فو8630نو56 كو26
    قيز117 فز87 نز5721كز27
   48قيح118 فح88 نح58 كح28
    قيط119 فط89 نط59 كط29
جدول الترقيم الهجائي المركب
الذي استخدمه حنين في ترقيم مداخل الكتب في رسالته

رابعًا: تعليق على ترقيم حنين للرسالة

استخدام الترقيم الهجائي في ثلاثة مستويات:

  1. المستوى الأول: فئة الحروف المفردة: من أ - إلى ط، وتمثّل الأرقام من 1 - 9، وهي حروف استهلالية بالنسبة لما سيأتي بعدها.
  2. المستوى الثاني: فئة الحروف المركبة الثنائية: من حرف ي - قي (وتساوي من 10 - 110)، حيث مزج كل حرف من هؤلا ء بحرف من الحروف الاستهلالية في المستوى الأول، مثل، يا، يب.. الخ (انظر الجدول). ويمثّل امتزاج الحرفين في هذا الترقيم مجموعات عشرية تمتدّ من رقم 10 إلى رقم 110).
  3. المستوى الثالث: فئة الحروف المركبة الثلاثية: وتبدأ من حرف قيا - قكط وتمثل الأرقام المئوية، من 111 - إلى 129، وهو آخر رقم احتاج إليه حنين للترقيم.

[1] انظر:

Bergsträsser ,g.Ḥ nain ibn isḥāq: die Syrishen und Arabischen Galen überset - zungen:zum Ersten mal herausegegeben und überset zt. (Abhandlungen fur die: Kunde des Morgenlandes herausgegeben von der Deutshen Morgenlandischen Gesellscgaft , no.2, XVII. Band. - Leipzig: 1925. (xv + 53 + 47 p).

[2] انظر: كمال عرفات نبهان، أقدم تسجيله ببليوجرافية عربية: عناصر الفهرسة عند حنين بن إسحق قبل الفهرست لابن النديم بقرن ونصف، مجلة المكتبات والمعلومات العربية، مج 19، عدد 1، يناير 1999م، ص5 - 46؛ حول حنين بن إسحق انظر:

G.Strohaier ʻHunayn B.Isḥāk al - ͑Ibādī” , ʻ E.I2 , VOL , iii , PP. 578 - 581.

[3] انظر:                                                     Bergsträsser ,G.OP.cit. German translation , p.3.

[4] انظر:

Meyerhof , Max, New Lights on Ḥunain Ibn Isḥāq and his period.(ISIS) , vol. , 8 , No.4 , 1926 , pp. 685 - 724.

[5] انظر:

Sa͑dī , Lutfī M., a bio - bibliographical study of Ḥunain Ibn Isḥāq Al - ͑Ibādī Bul – Letin of the Institute of the History of Medicine , vol.2, no. 7 , 1934, p.409 - 446.

[6] حنين بن إسحق، رسالة حنين بن إسحق إلى علي بن يحيى في ذكر ما تُرجم من كتب جالينوس وما لم يُتَرجَم. النص العربي ص52، في                   Bergsträsser ,G.Ḥunain Ibn Isḥāq المرجع السابق، ص3 (النص العربي).

[7] ﭙِينكس تكتب باليونانية ΠivaΣ وتقرأ بالإنجليزية Pinakes، وقد نقلها بعض المعربين إلى بينكس وكذلك كتبت فينكس، حيث لجأ العرب إلى استخدام حرف الفاء بدلا من حرف «p اللاتيني الثقيل، وكذلك فعلوا مع اسم الفيلسوف Plato فكتبوه أفلاطون وقد استخدم حنين كلمة فينكس ومعها المقابل العربي «فهرست»، أما موفق الدين أحمد بن القاسم ابن أبي اصيبعة (ت: 668هـ/ 1270م) فذكرها منقولة عن صورتها اليونانية الأصلية بينكس، كما استخدم أيضا كلمة فينكس. انظر: حنين بن إسحق، رسالة، ص2؛ موفق الدين أحمد بن القاسم ابن أبي أصيبعة (ت: 668هـ/ 1270م)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق نزار رضا، دار مكتبة الحياة، د. ت، بيروت، ص126، 134. وسوف يكون ذلك موضع دراسة أخرى يقوم بها الباحث.

[8] حنين بن إسحق، رسالة، ص3، سطر 16 – 19.

[9] انظر                                                      Walzer , R. ˝Djālinus”, E.I.² , pp. 402 – 403

[10] :أنظر: Bergsträsser, G., Op.Cit. p.1مقدمته باللغة الألمانية

[11] أضاف حنين إلى بعض النصوص التي ترجمها إضافات هامة مثل الشرح، وإضافة نصوص لمؤلفين قدماء على جانب شرح جالينوس لها، وتلخيص الكتاب، ووضعه في صيغة سؤال وجواب، وتقسيم وتبويب الكتاب مع نصوص اخرى لجالينوس. انظر: حنين بن إسحق، رسالة، ص21، 31، 40، 41.

[12] ألف جالينوس كتبًا في الطب في حداثة سنه، كما نص على ذلك حنين في رسالته، انظر: حنين بن اسحق، رسالة، ص21، 22، 23، 30، 40. ووصلت المبالغة إلى حد القول بأن جالينوس عاش صبيًا ومتعلّمًا سبع عشر سنة، ثم عالمًا ومعلمًا سبعين سنة، وأن عمره بلغ سبعا وثمانين سنة، ولكن ابن أبي أصيبعة يوضح أن جالينوس بدأ دراسة الطب وهو في سن السابعة عشرة، وهذا هو المعقول. انظر: ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء...، ص109 – 110.

[13] حنين بن إسحق، رسالة، ص4، 23، 24.

[14] المصدر السابق، ص4، 11.

[15] المصدر السابق، ص11.

[16] المصدر السابق، ص5، حيث يقول حنين: (ثم سألني بعد ذلك وأنا من أبناء الأربعين سنة أو نحوها).

[17] المصدر السابق، ص18، كتابه: جالينوس في حيلة البرء، (مقالات ترجمتُها عن آخرها وكنا بالرقة في أيام غزوات المأمون...).

[18] المصدر السابق، ص6.

[19] المصدر السابق، ص3، 43، 46.

[20] وجد عمل ببليوجرافي آخر لحنين يكمل الرسالة، وقد نشره برجستراسر أيضا في ليبزيج عام 1932 تحت عنوان:

Newe Materialien zu Ḥunain Ibn Ishaq ’s Galen – B ibliographie - Leipzig , 1932

وسوف يكون موضع دراسة أخرى للباحث.

[21] حنين بن إسحق، رسالة، ص41، 45.                                                                  (22 – مقالات)

[22] انظر:,p.1. ,G. ,Ḥunain Ibn Ishaq Bergsträsser مقدمته باللغة الألمانية

[23] الإبرازة في عصر المخطوط تساوي الطبعة في عصر الطباعة، وهي نسخة من الكتاب عدلت أو أضيف إليها بمعرفة المؤلف، وهذا النص الذي نشره برجستراسر لحنين هو للإبرازة الرابعة من رسالة حنين. انظر المرجع السابق، ص28.

[24] برجستراسر، جوتهلف، أصول نقد النصوص ونشر الكتب، ص27.

[25] السابق ص28، وانظر: حنين بن إسحق، رسالة، ص37، حيث توجد إضافات عديدة كتبها شخص غير حنين حيث يقول في واحدة منه [ثمّ ترجمه إسحق بن حنين إلى العربية]، وكان من عادة حنين حينما يتحدّث عن ابنه إسحق أن يقول: «ولدي».

[26] حنين بن إسحق/ رسالة، ص5، 8، 9، 11.

[27] وكمثال لذلك الفقرة التالية من رسالة حنين: «جملة كتابه الكبير في النبض في مقالة واحدة... ولست أصدق أن جالينوس الواضع لتلك المقالة... وليست بحسنة، وقد يجوز أن جالينوس قد وعد أن يضع تلك المقالة فلم يتهيّأ له وضعها فلمّا وجدع بعض المذابين قد وعد ولم يَفِ، تخرّص (افترى وزيّف) وضع تلك المقالة، ويجوز أن يكون جالينوس أيضا قد وضع مقالة في ذلك غير تلك قد دَرَسَت (أي هلكت) كما دَرَس كثير من كتبه وافتُعلت هذه المقالة مكانها»، «... وقد ترجمها سرجيوس إلى السريانية». انظر: حنين بن إسحق، رسالة، ص33، ويلاحظ أن حنين لم يترجمها إلى السريانية أو العربية.

[28] برجستراسر، جوتهلف، أصول نقد النصوص ونشر الكتب، ص34.

[29] انظر: ماس، باول، نقد النص في النقد التاريخي، ط3، مجموع من اختيار وترجمة عبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، 1977م، ص278 – 255.

Gaskel ,Philip ,from writer to reader, studies in editorial methods, oxford, The Clarendon Press , 1978. p. vii., 2.

[30] ولد حنين بن إسحق عام (192هـ/ 808م)، وأتم كتابة هذه الابرازة الرابعة من الرسالة وعمره 56 سنة، أي عام (249هـ/ 864م)، انظر حنين بن إسحق. رسالة... ص52. وانظر الصفحة (337)، الحاشية (3).

[31] انظر الصفحة (338)، الحاشية (1).

[32] انظر: sa͑dī, Lutfī M., op.cit., p.418.

[33] حنين بن إسحق، رسالة، ص3.

[34] عبد الستار الحلواجي، نشأة علم الببليوجرافيا عند المسلمين في دراسات في الكتب والمكتبات، مكتبة مصباح، جدة، 1988م، ص89.

[35] حنين بن إسحق، رسالة، ص4، 5، 7، 49.

[36] حنين، رسالة، ص13.

[37] حنين، المصدر السابق، ص13

[38] حنين، المصدر السابق، ص12، كتابه في تعريف علل الأعضاء الباطنة، انظر: تحليل محتويات المقالة الثانية من الكتاب إلى موضوعين... الخ.

[39] حنين، المصدر السابق، ص13، كتابه في النبض، فقد عرف حنين بمحتويات الجزء الثاني من الكتاب إجمالا، ولم يعرِّف حنين بمحتويات المقالات الأربعة التي يحتوي عليها هذا الجزء.

[40] انظر op.cit.p.1 ,G. ,Ḥunain Ibn Ishaq Bergsträsser

[41] انظر:Meyerhof, M. OP. cit. p. 686 .

[42] حنين بن إسحق، رسالة، ص4.

[43] حنين، المصدر السابق، ص5.

[44] حنين، المصدر السابق، ص10. حول بقراط انظر:

B.Carra De Vaux , “Bukrāț” , E.I.¹ , vol.i, pp. 784 - 785

[45] انظر: كمال عرفات نبهان، الذاكرة الخارجية وامتداداتها، دراسة في علم المعلومات والاتصال، امتداد الضبط الببليوجرافي، القاهرة، 1995م، ص128 - 132.

[46] العِباد بكسر العين وفتح الباء من بطون القبائل العربية التي تنصرت في الأجيال العربية الأولى للمسيحية واستوطن قسم منها الحيرة، وظلت على الدين المسيحي بعد الفتح الإسلامي. انظر: علي بن يوسف القفطي (ت: 646هـ/ 1248م)، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، لايبزج، 1903م، ص173. (وهو منشور تحت عنوان تاريخ الحكماء/ مختصر الزوزني).

[47] انظر:                                                   Bergsträsser , G. Ḥunain Ibn Isḥäq , op. cit., p.1.

(23 – مقالات)

[48] انظر الصفحة (331)، الحاشية (1).

[49] حنين بن إسحق، رسالة، ص3.

[50] حنين، المصدر السابق، ص47.

[51] حنين، المصدر السابق، ص51.

[52] حنين، المصدر السابق، ص46 ويقول حنين: «ووجدت له كتبا أخرى لم يذكرها في الفهرست وأنا ذاكرها». وقد كان ذلك في نهاية حصره لكتب الطب، وقد أضاف حنين في هذا المجال ثلاثة كتب.

[53] هذا الترقيم الحسابي تمت إضافته للتوضيح ولم يستخدم حنين أية أرقام حسابية في هذا الترقيم.

[54] ص تشير إلى ترقيم الصفحة عند حنين.

ملاحظة:
نشر هذا النص في الكتاب التالي:
صفحات من تاريخ دمشق، و دراسات أخرى، 2006، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، لندن، 321-358.
Back to Top