
نظمت مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي فعالية عامة بعنوان "أثر الفن الإسلامي في أوروبا والصين"، وذلك يوم الاثنين 30 مارس 2026، بمقر المؤسسة في لندن.
تضمنت الفعالية محاضرتين: الأولى بعنوان "أثر إسلامي ناجح على الجماليات الأوروبية: هياكل وتقنيات تصميم أغلفة الكتب منذ القرن الخامس عشر"، ألقاها الاستاذ الدكتور كلاوس بيتر هازه؛ والثانية بعنوان "الكتابات العربية في الصين: نشأة الخط الصيني وممارساته المعاصرة"، ألقاها الدكتورة شونخوا جين.
خلال كلمته الافتتاحية، أشار السيد صالح شهسواري، المدير التنفيذي لمؤسسة الفرقان، إلى أن هذه المحاضرات تأتي في إطار توجه المؤسسة نحو تنظيم محاضرات تركز على موضوع الفن والعمارة الإسلامية، وانتشارها وتأثيرها العالمي؛ ثم قدّم نبذةً موجزةً عن المحاضرين: الأستاذ الدكتور كلاوس بيتر هازه، الأستاذ الفخري للفن الإسلامي وعلم الآثار في جامعة برلين الحرة منذ عام ٢٠٠٤، ومدير متحف الفن الإسلامي في برلين (٢٠٠١-٢٠٠٩)؛ والدكتورة شونخوا جين، الحاصلة على زمالة "ألكسندر فون هومبولت" لما بعد الدكتوراه في متحف الفن الإسلامي، متاحف برلين الحكومية (٢٠٢٤-٢٠٢٦).

وفي كلمته الافتتاحية، رحّب السيد شرف يماني، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الفرقان، بالمحاضرين والحضور، ثم أضاف: " ينطلق عملنا - في مؤسسة الفرقان - من قناعة بسيطة ولكنها بالغة الأهمية، وهي أن التراث الفكري والفني للعالم الإسلامي يشكل جزءًا أساسيًا من تاريخ الحضارة الإنسانية الأوسع. فعلى مدى أربعة عقود تقريبًا، عملت المؤسسة على صون هذا التراث المخطوط الثري ودراسته والترويج له وإبرازه، من خلال منشوراتنا ودراساتنا للمخطوطات، وجهودنا في فهرسة النصوص، ومحاضراتنا العامة، كما نفعل الليلة"؛ كما أضاف قائلا: "من خلال عملنا، نتذكر باستمرار أن المعرفة التي نراها لا تتطور بمعزل عن غيرها، بل تنتقل عبر المناطق واللغات والثقافات. وعندما نمعن النظر في المخطوطات والكتب، نبدأ في رؤية آثار تبادلات تربط مجتمعاتٍ تتجاوز بكثير منشئها... كما نتذكر أن تاريخ الحضارة ليس قصة أحادية الاتجاه؛ فقد ازدهرت الدراسات الإسلامية نفسها من خلال حوارات مع حضارات سابقة، مستوعبةً المعرفة من التقاليد اليونانية والفارسية والصينية والهندية. وقد دُرست تلك الأفكار، ووُسعت، وصُقلت، ومع مرور الزمن انتشرت إلى الخارج، مُشكلةً مجتمعات أخرى بدورها. عندما ندرس التاريخ بعناية، نبدأ في رؤية المد والجزر المستمر للمعرفة عبر الأجيال والثقافات."

المحاضرة الأولى:
ناقش الاستاذ الدكتور كلاوس بيتر هازه في محاضرته تأثير فن الكتاب الإسلامي المبكر على المخطوطات والمطبوعات الأوروبية، والتي دُرست مؤخرًا من منظورات جديدة. فمنذ أوائل القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر، شهدت فنون الزخرفة والتطريز الفارسي والمملوكي والعثماني انتشارًا واسعًا. في البداية، أتيحت الفرصة للحرفيين الإيطاليين للاطلاع على التطورات الحديثة في المخطوطات الإسلامية من خلال التجارة النشطة في البندقية وغيرها من المدن التجارية في شرق البحر الأبيض المتوسط. وبفضل الحرفية العالية، انتشرت في جميع أنحاء أوروبا تقنيات جديدة في نقش وتذهيب الزخارف على الجلود، واستخدام تقنية القطع الدقيقة مع حشوات من المنسوجات والورق.

استمر تطور العناصر الشرقية تدريجيًا إلى أسلوب "الباروك"، ثم إلى الأساليب التاريخية في القرن التاسع عشر. ولم يحدث تحول جذري في هذا الأسلوب إلا في القرن الثامن عشر، حيث ظهرت بعض الزخارف الأوروبية في ما يُعرف بفن "الباروك" العثماني في فن الكتاب. بغض النظر عن النصوص التي جُمعت في هذه الأغلفة الفاخرة - سواءً أكانت من الكتاب المقدس، أو الأدعية، أو مؤلفات الأدباء القدماء، أو الشعر المعاصر - فقد زُيّنت ببعض الزخارف الهندسية أو النباتية الإسلامية الأكثر شيوعًا، والتي كانت تُدمج أحيانًا مع زخارف أخرى وبتراكيب مختلفة، ولكنها غالبًا ما كانت قريبة جدًا من الأصل (باستثناء طية أو لسان الأغلفة الإسلامية الذي لم يُستخدم قط في الغرب).
المحاضرة الثانية:
أشارت الدكتورة شونخوا جين في محاضرتها إلى أن مصطلح "الصيني" يُستخدم على نطاق واسع لوصف الخط العربي المُنتَج في الصين، إلا أن وضعه كعلامة جغرافية أو فئة جمالية - شكّلتها ممارسات الخط الصيني - لا يزال غير محسوم. وناقشت الظواهر التاريخية المختلفة للكتابة العربية في الصين، بما في ذلك النقوش، والمخطوطات، والكتابات على الأشياء، ثم حددت وقارنت بين التقاليد الرئيسية للخط العربي في الصين. أولها تقليد المخطوطات، الذي يشمل المخطوطات القرآنية وغيرها من المخطوطات الإسلامية. أما النوع الثاني فهو الكتابة العربية الموجودة بشكل رئيسي داخل المساجد، والتي تتعلق بممارسة الخط العربي لدى المسلمين الصينيين المعاصرين.

طرحت المحاضرة عدداً من الأسئلة: كيف يمكننا وضع نموذج تحليلي لفهم العلاقة بين هذين التراثين؟ كيف أثرت مواد الكتابة الصينية، كالورق والفرشاة، على الكتابة العربية في الصين؟ هل لعبت مفاهيم الكتابة الصينية، كالتصوير، دوراً في جماليات الخط الصيني؟ وترى المحاضرة بأن الكُتّاب المسلمين الصينيين انخرطوا في تفاعلٍ حيوي بين نقل النصوص والصقل الجمالي، مُكيّفين الكتابة العربية مع سياقات ثقافية وبيئات مادية متنوعة.
في ختام المحاضرة الثانية، دُعي الحضور لطرح أسئلتهم أو تعليقاتهم على المحاضرتين خلال جلسة نقاش.
اختُتمت الفعالية بكلمة ختامية من السيد صالح شهسواري.










