
ضمن سلسلة محاضرات الفرقان في لندن حول التراث الإسلامي، استضافت مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي محاضرة بعنوان «الخطوط العربية: التاريخ والتطور»، ألقاها الدكتور نصار منصور، الباحث والخطاط المتخصص في تاريخ الخط العربي وتطوره وفي المصاحف المخطوطة. وقد أُقيمت المحاضرة يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026، في مقر المؤسسة بلندن.
وفي كلمته الافتتاحية، وبعد أن رحّب بالمحاضر والحضور، أشار السيد شرف يماني، رئيس مؤسسة الفرقان، إلى أن «الخط ليس مجرد زخرفة على سطح تراثنا، بل هو الوعاء الذي حمل هذا الترات».
وقال السيد يماني: «تبدأ هذه القصة قبل زمن طويل من التقاليد الخطية العظيمة التي نعرفها اليوم»، وأضاف: «إن فصولها الأولى مكتوبة على الحجر (بالمعنى الحرفي) — في نقوش عربية منتشرة في أرجاء الجزيرة العربية، يجري الكشف عن بعضها ودراسته اليوم في مناطق مختلفة من المملكة العربية السعودية، كالعُلا وحِمى وجبل عِكمة، وغيرها».
وأوضح السيد يماني: «مع مجيء الإسلام، ومن خلال نسخ القرآن الكريم، اكتسبت الكتابة العربية أهمية جديدة؛ فلم تعد وسيلة لتدوين اللغة فحسب، بل غدت وعاءً لحفظ الوحي ونقله — وأصبحت مع مرور الزمن أحد الفنون الكبرى في الحضارة الإسلامية».
وفي معرض إبرازه لجهود المؤسسة في هذا المجال، قال السيد يماني: «هنا في مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ومنذ ما يقارب أربعة عقود، نحن نبحث عمّا خلّفته تلك الأيدي — فنرصد المخطوطات ونحصرها حيثما بقيت، ونفهرسها، وندرسها وننشرها، ونعمل الآن على نقلها إلى العصر الرقمي، ليتمكن العلماء والباحثون في كل مكان من الوصول إليها».
وأضاف: «ولكن قبل أن نتمكن من فهم المخطوط، علينا أولًا أن نتعلم قراءة حركة اليد التي خطّته. فإذا قرأنا الخط قراءة صحيحة، باح لنا بأسراره: أين كُتب، ومتى، وفي أي بيئة. وإن أسأنا قراءته، أخطأنا في فهم التأريخ بقرون».
ومن جانبه، قدّم السيد صالح شهسواري، المدير التنفيذي لمؤسسة الفرقان، نبذة موجزة عن المحاضر والمحاضرة، مبرزًا أهميتها في تسليط «الضوء على موضوع شائق للغاية من موضوعات التراث الإسلامي، ألا وهو الخط العربي، الذي لا يُعرف بكونه الأداة والوعاء اللذين حملا كلام الله (القرآن الكريم) والتراث الإسلامي فحسب، بل بكونه فنًّا فريدًا أيضًا، إذ لم تكن الحروف والكلمة المكتوبة قط فنًّا بصريًا لدى أي أمة، قبل فن الخط العربي في الحضارة الإسلامية».
أبرز ما جاء في المحاضرة
استهل الدكتور نصار منصور محاضرته بتناول الكيفية التي تشكّلت بها الخطوط العربية تدريجيًا انطلاقًا من تقليد كتابي سابق، مع عناية خاصة بالقرآن الكريم بوصفه الميدان الأهم في التكوين المبكر للخط العربي.
وقال الدكتور منصور: «كانت الكتابة العربية موجودة قبل الإسلام، لكن استخدامها اتسع اتساعًا هائلًا مع الإسلام، وتطورت مع الزمن لتصبح فنًّا له قواعده وأنظمة نِسَبه الخاصة. وقد ظهرت خطوط وأساليب مختلفة وتطورت تدريجيًا، فغدا بعضها خطوطًا رئيسة انتقلت إلى أقاليم مختلفة، وتطورت أكثر عبر مدارس متعددة. غير أن ذلك لم يكن قصة بسيطة يحلّ فيها خطٌّ محلَّ آخر».
وأوضح الدكتور منصور: «فقد يحتفظ الخط باسمه بينما تتغير أشكاله، وقد ينشأ خط جديد تدريجيًا من خط أقدم، وقد تستمر التقاليد القديمة والجديدة جنبًا إلى جنب».
ثم تناولت المحاضرة العوامل الرئيسة التي أسهمت في تنوع الخطوط، ومنها اختلاف وظائف الكتابة والحاجات إليها، والإمكانات البصرية للحرف العربي، وأدوات الكتابة وموادها، والموهبة الفردية للنسّاخ والخطاطين.
وقال الدكتور منصور: «بحلول القرن التاسع الميلادي (الثالث الهجري)، كانت الكتابة العربية قد أصبحت متنوعة تنوعًا حقيقيًا — طيفًا فعليًا من الخطوط والتقاليد المرتبطة بالوظيفة أو الحجم أو المكان أو طريقة الأداء، مع كتّاب بنوا شهرتهم على خطوط بعينها».
وأضاف: «لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية زيادة تنوّع الكتابة، بل أصبح أيضًا كيف يمكن تنظيم هذا التنوع كله في نظام أكثر تماسكًا: كيف يمكن ضبط نِسَب الحروف بدقة أكبر، وكيف يمكن لكل خط أن يكتسب هوية واضحة بما يكفي ليُعرف من النظرة الأولى».
ثم انتقلت المحاضرة إلى أسماء الخطوط العربية: كيف نشأت هذه الأسماء، وإلامَ كانت تشير، والطرق المختلفة التي سُمّيت بها الخطوط نسبةً إلى المكان أو الوظيفة أو الحجم أو غير ذلك من الخصائص.
وقال الدكتور منصور: «لا تنتقل الخطوط بوصفها أشياء ثابتة — فقواعدها ونِسَبها وطرق تعليمها ترتحل معها، وكل بيئة جديدة تعيد صياغة التقليد الموروث بما يلائم أدواتها وذوقها».
وأوضح كذلك: «ومن المفيد هنا أن نميّز بين ثلاثة أمور: الخط، الذي يحتفظ بهوية عامة وخصائص أساسية؛ والمدرسة، وهي اتجاه فني يتطور داخل ذلك الخط في مكان أو حقبة معينة؛ والأسلوب الفردي، وهو اللمسة الخاصة بخطاط بعينه».
وأخيرًا، تناولت المحاضرة مسألة تحديد الخطوط في المخطوطات الباقية. فلمّا كانت المصادر التاريخية كثيرًا ما تحفظ أسماء الخطوط دون أن تقدّم أمثلة مرئية لها، في حين تحفظ المخطوطات أشكالها المكتوبة دون أن تسمّيها بالضرورة، فإن تحديد الخط يتطلب نظرًا دقيقًا في الشواهد التاريخية والخصائص البصرية والممارسة الخطية.
وقال الدكتور منصور: «لم تكتسب الخطوط العربية أسماءها وفق نظام واحد متّسق؛ فبعضها سُمّي نسبةً إلى مكان — المكي والمدني والبصري والكوفي، وبعضها نسبةً إلى وظيفة — التوقيعات والرقاع وغيرها، وبعضها نسبةً إلى الحجم أو نوع القلم المستخدم، مثل: الطومار والنصف».
وأضاف: «لذا فإن الاسم التاريخي وحده لا يخبرنا بالضرورة كيف كان يبدو الخط فعلًا. علينا أن نفصل تاريخ الاسم عن تاريخ الشكل، لأن الخط قد يحتفظ باسمه قرونًا بينما يستمر شكله في التغير مع مرور الزمن».
نبذة عن المحاضر
يحمل الدكتور نصار منصور درجة الدكتوراه في الفنون التقليدية من مدرسة مؤسسة الملك للفنون التقليدية في لندن، حيث يدرّس الخط العربي حاليًا.
تجمع ممارسته الأكاديمية والفنية بين البحث التاريخي، ودراسات المخطوطات، والطرق التقليدية في تعلّم الخط العربي وممارسته. وفي عام 2003، أصبح أول أردني ينال الإجازة التقليدية في الخط العربي من الخطاط الشهير الأستاذ حسن جلبي في إسطنبول.
ويُعرف الدكتور منصور على وجه الخصوص ببحوثه وأعماله الفنية في إحياء خط المحقَّق، التي نال عنها جائزة الإبداع الفني من مؤسسة الفكر العربي عام 2018، فضلًا عن بحوثه الأوسع في تاريخ الخطوط العربية وتصنيفها وتطورها.
























