
اليوم الأول: الأربعاء 10 جمادى الأولى 1448ه/ 21 أكتوبر 2026م
استكمالا لموضوع مقاصد الفقه، الذي افتتحت دوراته بـ"مقاصد العبادات"، قررت مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي وشركاؤها فتح دورات في مقاصد فقه المعاملات، لما له من أهمية قصوى في حياة الناس. فعقد العزم هذه السنة بحول الله تعالى عقد الدورة الأولى بعنوان "أحكام المعاملات: المقاصد والقواعد"، نظمها كل من مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية بمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك الدار البيضاء، ومختبر الفكر الإسلامي والترجمة وحوار الثقافات بالكلية نفسها، ومركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط، و ذلك يومي 10 و11 جمادى الأولى 1448ه/ الموافق 21 و 22 أكتوبر 2026م.
الجلسة الافتتاحية (رئيس الجلسة: الدكتور إسماعيل حفيان)
بعد استقبال المشاركين والترحيب بهم، افتتحت الدورة بقراءة ما تيسر من القرآن المجيد. ثم استهلت بكلمة عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء الدكتورة ليلى مزيان، حيث رحبت فيها بالأساتذة المشاركين والحضور، وشكرت المنظمين والضيوف، مؤكدة على أهمية هذه الندوات والدورات العلمية من حيث تلاقح الأفكار وتبادل الخبرات وفتح الحوار الفكري والعلمي، ثم أردفت ذلك بما يجد الباحث فيها من مجال للنقاش، والطالب مجالا للسؤال والتعلم، وحثت في كلمتها الطلبة على الفضول العلمي وطرح الأسئلة؛ وعلى حد تعبيرها فإن البحث الجيد لطالما بدأ بسؤال مهم يملك طالب العلم الشجاعة على طرحه، والخروج بأفكار وأسئلة مهمة متجددة تكون في خدمة المعرفة والمجتمع ينتفع بها الباحثون. ثم ختمت كلمتها بتوجيه الشكر للجهات المنظمة والمشاركين، متمنية لهذه الدورة كامل التوفيق والنجاح.
وأعقبها بالكلمة المدير التنفيذي لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن، الأستاذ صالح شهسواري. فبعد تحية العلماء والباحثين وعموم الحاضرين، طفق يذكر بصولات وجولات هذه الدورات التي طافت عددا من الكليات، حيث أقيمت بها مشاريع وأنشطة علمية وبخاصة في مجال مقاصد الشريعة، التي يرجع الفضل فيها إلى مركز مقاصد الشريعة الإسلامية التابع لمؤسسة الفرقان وشريكه الدائم مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط وإحدى الكليات. ووقف الأستاذ صالح على ما سبق إنجازه في مجال المقاصد، ابتداء بمقاصد القرآن الكريم، ومرورا بمقاصد السنة، ومقاصد العقيدة الإسلامية، ومقاصد العبادات. ثم انتقل إلى بيان أهمية موضوع الدورة، الذي اعتبره من الموضوعات الأساسية لا يقل أهمية في هذه السلسلة الذهبية المقاصدية على حد وصفه، ألا وهو باب مقاصد المعاملات، منبها على أنه باب عريض يشتمل على أمور كثيرة، سواء من حيث مفهوم المعاملات الواسع، انطلاقا من القاعدة الذهبية الإسلامية التي تقول: الدين المعاملة، والقاعدة الأخرى التي تبين خطورة الموضوع، وهي: حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة. ولا يخفى أنها موضوعات كثيرة وشاسعة، معتبرا أن مفهوم المعاملات أوسع من أن ينصرف إلى المعاملات المالية فقط. وقد أكد الأستاذ صالح مدير مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامى على أن يكون موضوع هذه الدورة منصبا على المفاهيم العامة، والمصطلحات العامة، والمقاصد العامة التي تخص هذا الموضوع، بالإضافة إلى الجوانب القيمية والأخلاقية، لأهميتها في تناول موضوع المعاملاتفي عصرنا هذا، نظرا لما نشهده من تعقيدات في موضوع المعاملات، بشتى أنواعها ومجالاتها، بسبب التطور التقني والتكنولوجي، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وما شابه ذلك، مما استدعى الوقوف على هذا الموضوع بنظرات ثاقبة ومتمعنة حتى نخرج بحلول تكون بأيدي كل من يهتم بموضوع المعاملات. وقد نبه الأستاذ صالح إلى ما يعقب ذلك من دورات حول موضوع الأسرة، والقضاء، وغيرهما. وختم كلمته بتجديد الشكر الجزيل للجامعة العريقة وكليتها الأداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، وشعبة الدراسات الإسلامية ومختبر الفكر الإسلامي والترجمة والحوار، ومركز المقاصد للدراسات والبحوث. كما شكر اللجنة الدولية لتحكيم البحوث واللجنة المنظمة، وكل من ساهم في الإعداد لهذه الدورة.
وتلاه بالكلمة الدكتور الحسين الموس مدير مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط، وقد قام بدوره بشكر عميدة الكلية ليلى مزيان، ومدير مؤسسة الفرقان صالح شهواري، منوها بهذه الشراكة الدائمة، التي تهتم بمقاصد الشريعة، ومدير مختبر الفكر الإسلامي والترجمة والحوار، الدكتور مصطفى الصمدي، والدكتور محمد الروكي، عضو المجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية؛ ثم طفق يرحب بالأساتذة المشاركين وضيوف هذه الدورة، والطلبة الباحثين. وقد ذكر الأستاذ الموس بمسار هذه الدورات العلمية في مجال مقاصد الشريعة الإسلامية منذ سنة 2014، والتي انتهت بهذه الدورة الثانية عشرة، حيث حطت رحالها للمرة الثانية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، مؤكدا على أهمية هذه الدورات في تقريب العلم إلى أهله، وبخاصة الطلبة المجدين. ووقف الأستاذ الموس على قضية في غاية الأهمية، وهي أن الاهتمام بمقاصد الشريعة لا يعني التحلل من أحكام الشريعة، ولا يعني التسيب، كما يريده بعض المناوئين للإسلام أو المتسيبين المنحلين، وإنما لأحكام الله تعالى مقاصد ينبغي أن تنشد، ويسعى إلى تحقيقها. ودعا الأستاذ الموس الباحثين إلى المزاوجة بين هذا الفهم العميق لمقاصد شريعة الإسلام، التي جاءت رحمة ونورا وهداية، ومقاصد المكلفين، لكي يسير الإنسان على هدى من ربه. وبين الأستاذ الموس مدير مركز المقاصد أهمية هذه الدورة التي تكمن في مقاصد المعاملات، وهي عند العلماء القدامى تتضمن جوانب كثيرة من السلوك الإنساني، منبها أن هذه الدورة ستركز على القواعد العامة والمفاهيم الأساسية، على أن التفصيل في مقاصد المعاملات ستتكفل به دورات لاحقة متخصصة إن شاء الله، مثل مقاصد الأسرة التي تعرف هجوما شرسا، فما أحوج علماءنا لتناول مقاصدها الكبرى كما قال الأستاذ الموس. وكذلك المعاملات المالية لخطورتها في حياتنا المعاصرة، مشيرا الأستاذ الموس إلى معاملات أخرى. وختم كلمته بالشكر للشركاء في هذه الدورة كلية الآداب بنمسيك ومؤسسة الفرقان، ومختبر الفكر الإسلامي؛ كما شكر اللجان المنظمة، راجيا أن تخرج هذه الدورة بتوصيات مهمة ونافعة.
وقام من بعده الدكتور مصطفى الصمدي، مدير مختبر الفكر الإسلامي والترجمة والحوار بكلمته التي استهلها بالترحيب بالضيوف وهذه القامات العلمية لتلتقي بقامات علمية ببلدنا، يتقدمهم أستاذنا العلامة محمد الروكي. وقد اعتبر الأستاذ الصمدي هذه اللحظة مباركة تتشرف بها الكلية. ولم يفت الأستاذ الصمدي أن يجدد شكره وثناءه على الأستاذ صالح، والأستاذ الحسين الموس، منوها بجهودهما ومثابرتهما على إنجاح هذه الدورة، وباقي الإخوة بشعبة الدراسات الإسلامية. وقد وقف الأستاذ الصمدي على أهمية هذه الدورة، وأنها تعد بالعطاء العلمي الفريد والنفيس، لا سيما أنه يتناول موضوعا أساسيا وهو مقاصد المعاملات، التي تمثل عصب الحياة، نظراً إلى ارتباطها الوثيق بشؤون الناس ومصالحهم، وما تثيره من قضايا ونوازل تستدعي نظراً فقهياً رصيناً، يستحضر مقاصد الشريعة وغاياتها، ويواكب تحولات العصر ومستجداته. . وقد اقترح الأستاذ الصمدي ترجمة هذه الأعمال إلى لغة أخرى، حتى لا تبقى حبيسة اللسان العربي، فينبغي إرسال هذا النور، لا أن يبقى منكفئا على الذات، حتى يستوعب الحضارات والثقافات، لنوصل إلى العالم هذا الخير، وهي عملية مهمة. وختم كلمته بتجديد الترحاب بالأساتذة الضيوف والمشاركين والحضور، معربا عن سعادته بذلك.
وبعد الكلمات أقيم حفل شاي على شرف المشاركين والضيوف.
المحاضرة الافتتاحية (رئيس الجلسة: الأستاذ صالح شهسواري)
بعد إلقاء كلمات الجهات المنظمة، استهلت هذه الدورة - كما ذكر رئيس الجلسة الأستاذ صالح - بمحاضرة تمهيدية افتتاحية، مرحبا بالمحاضر الذي اعتبره قامة علمية سامقة من قامات المغرب، ومبرزا أهمية موضوعه من الناحية المنهجية، الذي اختار له عنوان "قواعد فقهية في المعاملات المالية".
ثم بعد ذلك شرع الدكتور العلامة محمد الروكي بإلقاء محاضرته، وقد مهد لها بالحديث عن مسألة تعليل الأحكام وما حام حولها من خلاف بين العلماء، فلا جرم أن أحكام المعاملات كلها معللة، ولا ينبغي إلا أن تكون معللة، وارتباطها بالمقاصد أمر واضح، لأن التعليل هو المدخل الطبيعي للحديث عن مقاصد الشريعة الإسلامية. ثم عرج على الحديث عن القواعد الفقهية، حيث ذكر أن أحكام الشريعة على قسمين: أحكام جزئية، فكل حكم متعلق بمحله الوارد فيه؛ وأحكام كلية، حيث الحكم الواحد الكلي يشتمل على فروع كثيرة إذا كانت متناظرة فيما بينها، ومتشابهة بينها، بحيث يصح أن نقول: إنها نظائر وأشباه. ثم فرق بين القاعدة والضابط. وقد ألمع أيضا إلى أصناف القواعد ومستوياتها. ثم طفق الدكتور الروكي يذكر بعض القواعد المهمة في المعاملات المالية، سواء في المعاوضات أو التبرعات، مع بيانها والتمثيل لها منها: الملحقات بالعقود هل هي كجزئها أم هي إنشاء ثان، والمفرط ضامن، وضمان فاسد العقد كضمان صحيحه. كما ذكر بعض الضوابط الفقهية منها: الرد بالعيب هل هو نقض للبيع من أصله أم ابتداء البيع.
الجلسة الأولى (رئيس الجلسة: الدكتور مصطفى الصمدي)
انطلقت الجلسة الأولى بإلقاء الدكتور عصام البشير بحثه الموسوم بـ"المنظومة الأخلاقية في المعاملات: قراءة مقاصدية"، وقد بناه على مقدمة تطرقت إلى أهمية الأخلاق في التصور الإسلامي باعتبارها الإطار الحاكم للتشريع، والروح التي تمنح الأحكام الشرعية غاياتها ومقاصدها. وذهب إلى أن هذه القيم تجسدت في مختلف صور التعامل المالي، والأسري، والاجتماعي، والسياسي، والدستوري، والقضائي، والدولي.
وانتظمت مداخلة الدكتور عصام البشير في ثمانية مباحث رئيسة، هي: المبحث الأول: قراءة في مصطلحات الدراسة، حيث فكك مصطلحات البحث الرئيسية، المنظومة، والأخلاق، والمقاصد، والمعاملات. والمبحث الثاني: علاقة الأخلاق بالتشريع والمعاملات، وفيه أكد على أن النص الشرعي نص أخلاقي، ومكارم الأخلاق هي تمام المعاملات، ولب المقاصد، كما تناول علاقة الأخلاق بالمصالح. والمبحث الثالثً: انصب على بيان علاقة الأخلاق بالمقاصد، وفيه تناول إشكال إدراج مكارم الأخلاق ضمن التحسينيات، وبين أن منها ما هو في مرتبة الضروريات والحاجيات أيضا. والمبحث الرابع: طفق فيه يبين علاقة الأخلاق بالمصالح في ميزان المقاصد الشرعية، وأن المصالح أساسها وبناؤها أخلاقي. والمبحث الخامس: وفيه ركز على أهم المقاصد الأخلاقية المتعلقة بأصناف المعاملات، سواء في المعاملات الأسرية، أو المالية، أو الدستورية، أو الاجتماعية، أو القضائية... والمبحث السادس: وقد تطرق فيه إلى تطبيقات عن أثر المقاصد الأخلاقية في فروع التشريع المالي والمعاملات الاقتصادية، فذكر مقصد العدل، ومقصد الإحسان. والمبحث السابع: وفيه تناول الوظيفة المعيارية للمقاصد الأخلاقية في الاجتهاد والتنزيل في باب المعاملات، ويتجلى ذلك في استنباط الحكم، وترجيح الاجتهاد، وتنزيل الحكم، ومراعاة المآل. والمبحث الثامن: وقد بسط الكلام فيه عن أصول الأخلاق في المعاملات في ضوء مقاصدها الشرعية، من مثل الوفاء والصدق، والنزاهة، والعدل.. ثم ختم بحثه بأبرز النتائج.
وقد عقبت عليه الدكتورة آمنة سعدي.
ثم تلاه من بعده بحث الدكتور ربيع شكير الموسوم بـ "المقاصد الخلقية والقيمية في فقه المعاملات وآثارها التطبيقية في النوازل المعاصرة"، حيث افتتح بحثه بمقدمة حول كون التشريع الإسلامي يمثل وحدة موضوعية وعضوية متماسكة لا تفصل بين الأحكام العملية التكليفية والمنظومة القيمية الأخلاقية. وحدد الباحث إشكالية الموضوع في كيفية تشكيل المقاصد الخلقية والقيمية الكبرى البنية التشريعية لأحكام المعاملات العامة. وقد تناول بحثه في أربعة مباحث، تطرق في المبحث الأول إلى التأصيل الأصولي والمفهومي للمقاصد القيمية الكبرى، فانطوى على ستة مطالب تناولت: قيمة العدل، والرحمة، والصدق، والأمانة، والوفاء، والسماحة والتيسير. وقد خص بهذه المطالب المبحث الثاني الذي تطرق إلى القواعد الفقهية الناظمة للمقاصد الأخلاقية، فاندرجت تحت مطالب أخرى، من هذه القواعد: قاعدتا "الخراج بالضمان، و"الغنم بالغرم، وقاعدة "الأصل في الشروط الصحة والوفاء" وقاعدة "الضرر يزال"، وقاعدة "المشقة تجلب التيسير" وقاعدة "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني" وقاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع" وغيرها من القواعد. أما المبحث الثالث فقد تناول فيه الباحث التقصيد الأخلاقي والنوازل المعاصرة في المعاملات العامة، وقد تفرع هو بدوره إلى مطالب، تطرقت إلى التعاملات الرقمية والإلكترونية، مثل: التجارة الإلكترونية، والعقود الذكية، والذكاء الاصطناعي، وشبكات التواصل الاجتماعي، ثم عمل الأستاذ ربيع على تطبيق أمهات القيم عليها، على غرار ما مضى في المبحث السابق. وأما المبحث الرابع فخصه بتدقيق الأثر الخلقي لأحكام المعاملات، سواء على المستوى الفردي، أو العام، أو المؤسسي، وتضمنت هي الأخرى مطالب. وختم بحث بأهم النتائج التي خلص إليها.
وقد عقب على بحثه الدكتور مخلص السبتي.
واختمت هذه الجلسة بفتح باب المناقشة واستراحة للغداء وصلاة الظهر.
الجلسة الثانية (رئيس الجلسة: الدكتور مصطفى قرطاح)
وقد تناول فيها الدكتور عبد المجيد النجار موضوعه حول "أثر المقاصد في تنزيل أحكام المعاملات"، عرض في تمهيده مسألة تحمّل أحكام الدين وفق نوعين متكاملين ومتلازمين من التحمّل. الأوّل نظري، وهو فهم مدلولات الأحكام من مداركها من نصوص الوحي قرآنا وسنّة أو من الاجتهاد بطرقه الصحيحة. والثاني هو تنزيلها في واقع الحياة سلوكا عمليا ما تعلّق منها بالفرد وما تعلّق بالمجتمع. كما أكد على أن أحكام المعاملات جاءت من الثراء والتشابك والتوسّع بأكثر مما جاءت أحكام العبادات، وهو ما يعكسه حجم فقه المعاملات بالنسبة إلى حجم فقه العبادات في التراث الفقهي الإسلامي. وقد جعل بحثه في قسمين: تناول القسم الأول ـ علاقة مقاصد أحكام المعاملات بتنزيلها، وفيه بين أنأحكام الدين مبنية على مقاصد هي المصالح التي تحصل منها للمتديّن بها في العاجل والآجل، فهي ما شرعت إلا بسبب ذلك. وطفق من خلاله يتحدث عن أحكام المعاملات ومقاصدها، نذكر منها: مقصد تعيين الحقوق لأصحابها، ومقصد تحقيق السلم الاجتماعي. وأما القسم الثاني فانصب على بيان سبل العلم بأثر المقاصد في تنزيل أحكام المعاملات، فتعرض لجملة من المسائل المتعلقة بالتنزيل، منها: تحقيق المناط في أعان المعاملات، والاستهداء بالقرائن والأمارات والأعراف والعادات، وقياس التمثيل، واعتبار المآلات. وختم بحثه بالتأكيد على العلم بمقاصد الأحكام من حيث تحقّقها هو الحاكم على التنزيل، فإذا غلب على الظنّ أنّها تتحقّق يكون الإقدام على التنزيل، وإذا غلب على الظن أنها لا تتحقّق يكون الإحجام؛ لأنّ الأحكام إنما شرعت لتحقيق مقاصدها. وقد عقب على بحثه الدكتور أحمد كافي.
وتلاه بعده الدكتور محمد ابراهمي، الذي عرض بحثه الموسوم بـ "اعتبار قصد المكلف في تسديد فقه المعاملات: دراسة مقاصدية وضوابط تنزيلية"، في مقدمة تطرق فيه إلى بيان أهمية اختبار المعاملات المستجدة والتطورات الاقتصادية على ضوء الكليات المقاصدية، وأكد على دور المقاصد في تحليل المعاملات المالية المعاصرة، ولم يفته أن يقف على هدف الدراسة وهو تحرير مفهوم قصد المكلف ومراتبه، وبيان موقعه في البناء المقاصدي لفقه المعاملات وحدود اعتباره في ضوء النصوص والقواعد الكلية ومقاصد الشريعة. وقد انتظمت دراسته في ثلاثة مباحث: خُصص أولها بتأصيل مفهوم قصد المكلف تحليلا وتركيبا من جهة البنية الاصطلاحية، وبيان موقعه في البناء المقاصدي لفقه المعاملات وأساس اعتباره الشرعي، كما وقف على الأساس الشرعي لاعتبار قصد المكلف في المعاملات. وتناول الثاني تحرير مناط اعتبار القصد وبيان مراتبه ومسالك التعرف عليه والتمييز بين القصد المؤثر وغيره، فتناول القصد المنشئ للتصرف، والقصد التبعي، وقصد التحايل. ولم يفته أن يقف على وسائل إثبات قصد المكلف وضوابط الكشف عنه. وأما المبحث الثالث فقد اشتغل ببناء الضوابط المنهجية التنزيلية الحاكمة لاعتبار قصد المكلف. وقد تحدث فيه الأستاذ ابراهمي عن الأسس الحاكمة للعلاقة بين قصد المكلف ومقصد الشارع، فاستحضر موافقة قصد المكلف لقصد الشارع، ثم أردف ذلك باعتبار قصد المكلف كاشفا عن حقيقة التصرف لا منشئا للحكم الشرعي. وختم بحثه بكون اعتبار قصد المكلف أصل شرعي راسخ، دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وأكدته اجتهادات الفقهاء، وتجسد في القواعد الفقهية.
وعقب على بحثه الدكتور عمر جدية.وقد انتهت هذه الجلسة بالمناقشة.
الجلسة الثالثة (رئيس الجلسة: الدكتورة صالحة مرتجي)
افتتحت هذه الجلسة الثالثة ببحث الدكتور إسماعيل حفيان، الموسوم بـ "البعد المقاصدي لقاعدة "الضرر يزال" وأثره في أحكام المعاملات"، وقد بناه على مقدمة ذكر فيها أهمية فقه المعاملات في انتظام معاش العباد وصلاح أحوالهم بناء على العدل والإنصاف، مؤكدا أن ذلك لا يقع إلا بدرء الضرر عنهم، فبرزت من خلال ذلك فقاعدة مهمة جليلة ونفيسة وهي قاعدة الضرر يزال، التي انصب البحث عنها مستجليا مقاصدها في المعاملات. وقد قسم بحثه إلى مبحثين وخاتمة. فخص المبحث الأول ببحث قاعدةَ "الضَّررُ يزالُ" من حيثُ إطارُها المفاهيميُّ: اللغويُّ والاصطلاحيُّ، وتأصيلُها الفقهيُّ انطلاقًا من نصوصِ الشارعِ الحكيمِ قرآنا وسنة، وعملِ الفقهاءِ القواعديينَ المعتبرينَ، مع بيان أنواع الضرر وضوابطه الشرعية التي يزال بها والجزاءات المترتبة عليها. وأما المبحث الثاني، فتناول فيه الأستاذ حفيان الأبعادَ المقاصديةَ لقاعدةِ "الضَّررُ يزالُ"، وذلك من خلالِ مستوياتٍ ثلاثةٍ: مستوىً أولَ، يهمُّ التأسيسَ المقاصديَّ للقاعدةِ، ومستوىً ثانٍ، يعنى بتطبيقاتِها في نوازلِ المعاملاتِ المعاصرةِ على شرطِ المقاصدِ وحدودِها، ومستوىً أخيرٍ بين فيه الآثارَ المنتظرةَ للقاعدةِ في ترشيدِ فقهِ المعاملاتِ علميًّا ومنهجيًّا ومؤسسيًّا، ساق كل ذلك في مطالب. ثم ختم بحثه بعرض موجز لأهم النتائج. وقد عقب على بحثه الدكتور عبد الحميد مدكور.
وقام بعده الدكتور رشيد لعزيز، فعرض بحثه الموسوم بـ"أثر قاعدة الاستحسان في تحقيق مقاصد المعاملات" فيتقديمطاف فيه حول أهمية المعاملات في الشريعة وما تحققه من مصالح للناس.المبحث الأول وقد تطرق فيه إلى حقيقة الاستحسان ومفهومه وبخاصة عند القائلين به الحنفية والمالكية، وكشف ارتباط مفهومه بمقاصد الشريعة كما ذكر الشاطبي. وأردف ذلك ببعض التطبيقات المعاصرة كالمشاركة في حكم غير إسلامي، والبيع والشراء عبر المتاجر الإلكترونية، وإثبات النسب عن طريق البصمة الوراثيَّة بعد نفيه باللعان، وحكم شراء المنازل بقرض بنكي ربوي للمسلمين في غير بلاد الإسلام. وختم بحثه ببعض النتائج المهمة مؤكدا على دور قاعدة الاستحسان في تحقيق مقاصد المعاملات.
وعقب عليه الدكتور فريد شكري.
اليوم الثاني: الخميس 22 أكتوبر 2026
الجلسة الرابعة (رئيس الجلسة: الدكتور أحمد كافي)
وقد استهلت ببحث الدكتور عبد الكريم عيار حول "قاعدة الذرائع وأثرها في تحقيق مقاصد أحكام المعاملات، فقه السياسة الشرعية نموذجا"، وقد بناه على مقدمة ذكر فيها أن باب المعاملات من أكثر أبواب الشريعة التصاقا بمقاصد الشريعة، وذلك بإلحاق الجزئيات والمستجدات بالكليات. كما أكد أهمية قاعدة الذرائع وأثرها في المعاملات. وأربعة مباحث، فخص المبحث الأول بالذرائع من حيث مفهومها وحجيتها وتقسيمها، وقد انتظم في مطالب تناولت تعريف الذرائع فتحا وسدا في الفقه ومقاصد الشريعة، كما تطرق إلى حجية وضوابط قاعدة الذرائع، ثم طفق يعرض تقسيمات العلماء للذرائع أمثال القرافي وابن القيم والشاطبي، ودعا إلى ضرورة مراجعة هذا التقسيم. وأما المبحث الثاني، فتناول فيه مقاصد أحكام المعاملات، وخصه تحديدا بفقه السياسة الشرعية أنموذجا، وقد انتظمت فيه مجموعة من المطالب بدأ بتعريف السياسة الشرعية، مرورا بذكر مقاصدها المتمثلة في حفظ الدين وصيانة هوية الأمة، وتحقيق العدل وإقامة القسط، وتحقيق الأمن والاستقرار، وتحقيق وحدة الأمة ومنع أسباب الفرقة، وتحقيق العمران والتنمية، وحفظ الحقوق والحريات العامة، وتحقيق الشورى ومنع الاستبداد، وترسيخ القيم الأخلاقية في الحياة العامة، ورعاية المصالح العامة.
وأما المبحث الثالث فقد عرض فيه لأثر قاعدة الذرائع في حفظ مقاصد أحكام المعاملات، وركز على فقه السياسة الشرعية، وقد انطوى هو الآخر على مطالب تطرقت إلى هذه الآثار الذرائع سدا وفتحا، مع ذكر نماذج تطبيقية، مثل فرض السياسات العمومية رغم مخالفتها لهوية الأمة وثوابتها، ومسألة التطبيع مع الصهاينة، فرض الضرائب الاستثنائية عند الحاجة. وختم بحثه بأهم النتائج. وقد عقب عليه الدكتور إبراهيم بيومي غانم.
ثم أردف بعد ذلك ببحث الدكتور وصفي عاشور حول "التفريق الحنفي بين الفساد والبطلان وأثره في تحقيق المقاصد المالية دراسة أصولية مقاصدية تطبيقية على معاملات معاصرة". قام بقراءة ملخص هذا البحث الدكتور محمد عوام. وقد ركز في مقدمته على أهمية المعاملاتُ المالية في اتصالها بحياة الناس واستقرارِ مصالحهم، فهي تتعلقُ بحفظ الأموال، وتنظيمِ المبادلات، وصيانة الحقوق، لكن هذه المعاملات قد يكون منها ما هو صحيح، وما هو غير ذلك، فاقتضى تناول قضية مهمة وهي تفريق الحنفية بين الفساد والبطلان وأثره في تحقيق المقاصد المالية. وقد جنح الباحث إلى تقسيم بحثه إلى ثلاثة مباحث: تناولَ أولُهَا التأصيلَ الفقهيَّ للتفريق بين الفساد والبطلان، فانتظم مطالب تطرق من خلالها إلى تحرير المفاهيم: مفهوم الصحة والبطلان والفساد. كما وقف على مفهوم المقاصد المالية، ولم يفته أن يبين أساس تفريق الحنفية بين الفساد والبطلان. وخصص المبحث الثاني ببيان بالبناء الأصولي والمقاصدي لهذا التفريق من حيث أصل العقد وأوصافه مما يقتضي التمييز بينهما، سواء من جهة أثر النهي، أو انفكاك الجهة، أو بقاء مقصود العقد. كما وقف على الضوابط المنهجية للتفريق، ثم خاض في بيان المقاصد المترتبة عن هذا التفريق. بينما عالج في المبحث الثالثُ قيمتَه الاجتهاديةَ من خلال تطبيقاتِه في العقود التمويلية والاستثمارية والرقمية، وقد أتى الباحث في كل ذلك ببعض الأمثلة من التمويلات المعاصرة. ثم خُتم البحث بتدوين أبرز النتائج.
وقد عقب على بحثه الدكتور محمد عوام.
وبعد ذلك فتحت المناقشة.
الجلسة الختامية (رئيس الجلسة: الدكتور الحسين الموس)
استهلت الجلسة الختامية الدكتور عصام البشير الذي أتحف الحاضرين بدرره المقاصدية، وإشاراته البليغة حول آفاق التجديد، تجديد المعرفة والعلم، بحفظ ثوابت الأمة. تلتها كلمات الهيئات المنظمة، الأستاذ صالح شهسواري عن مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، والأستاذ مصطفى الصمدي عن مختبر الفكر الإسلامي والترجمة والحوار، والأستاذ مصطفى قرطاح عن مركز المقاصد للدراسات والبحوث، منوهين بالدورة وما حققته عبر بحوثها من إضافات نوعية، ومناقشات قيمة، آملين مزيدا من العطاء للنهوض بالدرس والبحث المقاصدي في الدورات القادمة. كما ألقى كلمة الختام أيضا وختمت هذه الجلسةبقراءة الدكتور محمد عوام للتوصيات، التي يمكن أن تكون موضوعات بحوث علمية أو دورات مقاصدية. وأخذت بعدها صور جماعية توثيقا للدورة.