حكم التداوي في الفقه الإسلامي

شارك:

عبد الغني يحياوي

تُعد مسألة التداوي من المسائل القديمة الحديثة، ففي زماننا هذا رغم اختلاف الوسائل وتطورها عما كانت عليه من قبل إلا أنه لابد من الرجوع إلى الأحكام الفقهية التي سطرها أهل الفقه قديما لقضية التداوي حتى تكون مرجعا لأي نازلة  كيفما كانت، وحديثي هنا عن أحكام التداوي في الفقه الإسلامي هو مرتبط أشد الارتباط بموضوع الدراسة لأنه جزء منه وينبني عليه، إذ لابد من معرفة حكم التداوي أولا قبل الدخول في الجزئيات والفروع الطبية.

ولقد اجتهد الفقهاء قديما لكنهم لم يجمعوا على حكم موحد فيها، ولهذا فقد تباينت آراؤهم واختلفت، واعترت المسألة الأحكام الخمسة بتفاوت بين المؤيدين لكل حكم، ولهذا سنذكر أهم الآراء الواردة في الموضوع، وفي هذا يقول ابن تيمية متحدثا عن حكم التداوي: «والتحقيق أن منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، وقد يكون منه ما هو واجب، وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره.»[1]

ونميز في مواقف الفقهاء من التداوي بين ثلاثة:

الموقف الأول: إباحة التداوي.

وهذا الرأي ذهب إليه جمهور الفقهاء، وقد بين ابن عبد البر هذا بقوله: «وقد كان من خيار  هذه الأمة وسلفها وعلمائها قوم يصبرون على الأمراض حتى يكشفها الله ومعهم الأطباء، فلم يعابوا بترك المعالجة، ولو كانت المعالجة سنة من السنن الواجبة لكان الذم قد لحق من ترك الاسترقاء والتداوي، وهذا لانعلم أحدا قاله... وإنما التداوي-والله أعلم- مباح لميل النفوس إليه وسكونها نحوه...لا أنه سنة ولا أنه واجب، وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء.»[2].

وقال ابن تيمية « وأما التداوي فلا يجب عند أكثر العلماء، وتنازعوا هل الأفضل فعله أم تركه على سبيل التوكل»[3].

وقال الذهبي (ت 748): «أجمعوا على جوازه، وذهب قوم أن التداوي أفضل لعموم قوله ﷺ:« تداووا... » »[4].

وقال ابن الحاج: «وخرج مسلم عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال «لكل داء دواء فإذا أصاب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى»[5]هذا مذهب الجمهور من العلماء والأئمة من الفقهاء في إباحة الدواء والاسترقاء وشرب الدواء. »[6].

وجاء في الفتاوى الهندية ما نصه: «الاشتغال بالتداوي لابأس به إذا اعتقد أن الشافي هو الله تعالى، وأنه جعل الدواء سببا، أما إذا اعتقد أن الشافي هو الدواء فلا.. »[7].

وقال في هذا ابن الحاجب المالكي «وأخذ الدواء مباح غير محظور، وقد احتجم عليه السلام وشاور الأطباء، والتداوي بسائر النجاسات جائز»[8].

يتبين من هذه الأقوال التي ذكرنا أن التداوي مباح، ولا يصل إلى درجة الوجوب، وبناء عليه يجوز للمكلف التداوي، وهذا الفريق حمل الأمر الوارد في حديث: «تداووا عباد الله...» على الإباحة  لا على غيرها.

الموقف الثاني: وجوب التداوي.

ذهب إلى هذا  القول جماعة من أصحاب الشافعي وبعض الحنابلة، لكنهم اشترطوا أن يكون هذا الدواء نافعا. والذين اعتمدوا هذا الرأي استندوا لحديث رسول الله ﷺ: «تداووا عباد الله... »، فحملوا الأمر على الوجوب، ومن خالفهم حمله على الندب أو الإباحة، لكن القاضي عياض حكى الإجماع في عدم وجوب التداوي.

الموقف الثالث: كراهة التداوي.

وذهب أصحاب الفريق إلى كراهة التداوي انطلاقا من أن المؤمن يجب عليه أن يترك التداوي «اعتصاما بالله تعالى، وتوكلا عليه، وثقة به، وانقطاعا إليه، وعلما بأن الرقية لا تنفعه، وأن تركها لا يضره. إذ قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة وزمن الداء... »[9].

وقال البهوتي: «ترك الدواء أفضل... لأنه أقرب إلى التوكل، واختار القاضي وأبو الوفاء وابن الجوزي وغيرهم فعله لأكثر الأحاديث.. »[10].

وقد استند كل فريق لمجموعة تعضد قوله، والمجال ليس مجال ذكرها[11].

وخلاصة القول في مسألة التداوي أنه تعتريه الأحكام الخمسة، بحسب الضرر المترتب على تركه ومدى نجاعته ونسبة نجاحه، ففي الحالات التي يكون أثر الدواء أخذه كعدمه فهذا يبقى على الجواز، لكن إذا ترجح أن نفعه محقق فهو على الاستحباب، وإذا ظهر أن ضره أكبر من نفعه فهو على الحرمة والكراهة، أما إذا كان الداء قد استفحل في أبناء الأمة خاصة إذا كان من الأمراض المعدية أو غيرها، وتيقن الطب من أن دواء ما يعالجه أو يقلل من استفحاله، فإن التداوي يصبح واجبا، على اعتبار أن التداوي أو التطبيب إنما جعل لتخفيف الألم ودفع الضرر، ورفع الحرج عن المرضى وتحقيق المصالح لهم[12].

وختاما فالتداوي سبيل لتحقيق الأمن الصحي، لما فيه من دفع للمضار وجلب للمنافع، وتخفيف للآلام وعلاج للأسقام، والمرضى يتشبثون بكل شيء قد يُعيد العافية والسلامة لأبدانهم. ومن بين أنواع التداوي التي اكتشفها الطب المعاصر استخراج الخلايا الجذعية والاستفادة منها في علاج الكثير من الأمراض، وهذا ما سنعرف ماهيته وحكمه فيما سيأتي بحول الله تعالى.


[1] مجوع فتاوى أحمد ابن تيمية، 18/12، جمع وترتيب: عبد الرحمن محمد بن قاسم وابنه محمد، إشراف: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف السعودية، طبعة: 1425هـ/2004م، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المدينة المنورة.

[2] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، تحقيق: سعيد أحمد أعراب، 5/279، طبعة وزارة الأوقاف المغربية 1412هـ/1992م.

[3] الفتاوى ج 24/272-276

[4] الطب النبوي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبيي، تحقيق وشرح وتعليق: أحمد رفعت البدراوي، ص: 220، الطبعة الثالثة: 1410هـ/1990م، دار إحياء العلوم بيروت.

[5] صحيح مسلم، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي، رقم الحديث: 2204، وأخرجه أحمد في مسنده (مسند جابر بن عبد الله رضي الله عنه) رقم الحديث: 14597.

[6] المدخل،أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج، دار التراث، 4/ 120.

[7] الفتاوى الهندية (المعروف بالفتاوى العالمكيرية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان)، تأليف: الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند الأعلام، ضبط وتصحيح: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، 5/434، الطبعة الاولى: 1421ه/2001م.

[8] جامع الأمهات، عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب الكردي المالكي تحقيق: أبو عبد الرحمن الأخضر الأخضري، ص: 568، دار اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة: الثانية، 1421هـ - 2000م

[9] التمهيد، ابن عبد البر، 5/265-266.

[10] كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدرس البهوتي، تحقيق:محمد أمين الضناوي، 1/551، الطبعة الأولى: 1417هـ/ 1997م، عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.

[11] لمزيد من التوسع في مسألة التداوي وأحكامها الفقهية ينظر كتابنا: الموازنة بين المصالح والمفاسد في التداوي بنقل الأعضاء البشرية ص: 67وما بعدها ، منشورات مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، الطبعة الأولى: 1437هـ/ 2016م.

[12] الموازنة بين المصالح والمفاسد في التداوي بنقل الأعضاء البشرية، ص: 71.

ملاحظة:
نشر هذا النص في الكتاب التالي:
مقاصد الخير وفقه المصلحة، 2012، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن،ص 13-18.

مقالات ذات صلة

Back to Top