الأسرة: مفهومها وطبيعتها

شارك:

جميلة تلوت

لم يرد مصطلح الأسرة في القرآن الكريم، وإنما وردت الكلمة في الحديث النبوي في موضع واحد يدل على جماعة الرجل([1])، لكن نجد مصطلحات قرآنية قد تقترب من المدلول المعاصر نحو مصطلح «الأهل والآل» التي تدل على جماعة الرجل وعشيرته.

 ومن ثمّ؛ فلا يمكن الاستدلال على اهتمام القرآن بالأسرة أو عدم اهتمامه بتكرر «المصطلح» لفظا، وإنما بمدى العناية التشريعية التي أولاها القرآن للأسرة؛ إذ نجد في القرآن تفصيلات تشريعية وقيمية وإرشادية لمختلف مكونات الأسرة، واهتماما بتنظيم علاقاتها وفق منظور تشريعي مقاصدي؛ ببيان حقوق أفرادها وواجباتهم والقيم التي يجب التحلي بها، والمقاصد التي ينبغي التأطر بها، فالآيات القرآنية تروم بيان المنظومة الأخلاقية التي تربط بين أفرادها، لهذا نجد إحدى الباحثات فضلت أن تسمي هذا الضرب من النظر ب «المفردات القرآنية في موضوع الأسرة»، أي المفردات التي تشكل مدلول الأسرة([2]).

لكن هذا لا يمنع من محاولة تبين الأسرة مفاهيميا قبل الانتقال إلى دراستها مقاصديًّا، باعتبار تداول المصطلح اليوم.


أولا: التعريف اللغوي

لو تأملنا الأصل اللغوي للكلمة، لوجدنا أنها تنحدر من الجذر اللغوي «أسر»، ويدل على الإمساك والقيد، وأسره يأسره أسرا وإسارة: شده بالإسار، والإسار ما شد به وهو القيد، ومنه الأسير، وفي القرآن الكريم: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾[الإنسان:28]، أي شددنا خلقهم: وأسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم، والأسرة أيضا الدرع الحصينة([3])

ومعاني الشد والإمساك والأسر تحيل إلى معاني سلبية وإيجابية؛ إذ يفهم منها أن «الأسرة» إسر وقيد، ومن ثم تحيل الدلالة إلى أن اختيار الأسرة أنموذجا للاجتماع بين الرجل والمرأة  تقييد لحرية الفرد، وهذا المعنى  قد يكون صحيحا جزئيا؛ إلا أن المعنى الإيجابي لهذا الأصل اللغوي يدل أيضا على أن الأسرة يشد بعضها بعضا، وتربطهم أواصر قوية تجعل علاقتهم صلبة، فالأسرة هي الدرع الحصينة لأنها تحمي أفرادها داخل حِصنها المنيع، كما أنها حصن للإنسان بتثبيت مصدر وجوده وتكوينه وتنشئته، وهذا المعنى هو الذي نجده مثلا عند أبي حيان التوحيدي: «وفلان ذو أسرة كريمة؛ أي أهل بيت، كأن أسرة الرجل ما هو مأسور به، أي مشدود به، لأن الرحم والقرابة يضمان على الإنسان ويشدانه» ([4])،([5]) وربما يلخص أبو حيان في كلامه هذا المعنى اللغوي والاصطلاحي للمفهوم، إذ الرحم رباط قوي يورث صلابة وشدة في العلاقة والروابط.


ثانيا: التعريف الاصطلاحي

لم يرد مصطلح «الأسرة» في القرآن الكريم، كما سبق بيانه، لكنه كان اصطلاحا معروفا عند العرب يدل على جماعة الرجل، وتطلق العرب كلمة الأسرة للدلالة على قدر من التجمع البشري، وقد وردت الأسرة في نص طويل لابن حجر العسقلاني في تعديد مراتب الأنساب، وذكر جملة من التقسيمات من بينها الأسرة([6]) باعتبارها شكلا من أشكال التجمع الإنساني.

وحين نرجع إلى مفهوم الأسرة في أدبيات التداول الإسلامي([7])، فإننا نجد محدداث ثابتة في البنية المفهومية لا يمكن إزالتها أو تغييرها، وهي: محدد الاختلاف الجنسي، ذكر وأنثى، ومحدد الأولاد، بالإضافة إلى المحدد الشرعي؛ وهو النشوء عن العلاقة الزواجية([8]).

ولو تأملنا بعض التعاريف المعاصرة للأسرة في التداول الإسلامي([9])، لتبين لنا أنها تقوم في جملتها على أساس الرابطة.

ومن ثم؛ فأركان الأسرة من المنظور الإسلامي تتمثل في:

  • ترابط بين رجل وامرأة (اختلاف جنسي) تنتفي بينهما موانع التحريم بميثاق شرعي.
  • قيام الرابطة على قصد التأبيد لا التأقيت.
  • الرغبة في المكاثرة الكمية والكيفية بأبناء الصلب.

ثالثا: الأسرة والامتداد العلائقي

إذا تأملنا القرآن الكريم فإننا نجده لا يفرض نمطا معينا للأسرة «نووية أو ممتدة»، وإنما يحرص على بيان الحدود والقيم التي تؤطر العلاقات الناتجة عن الزواج المشروع، الأمر الذي يجعل العلاقات مركبة ومتشابكة، تتداخل فيها العلاقة الزوجية بعلاقة المصاهرة والنسب، ولا أدل على ذلك من تشريعات الميراث المضبوطة والمتشعبة، والانضباط بهذه الحدود الشرعية والضوابط الأخلاقية يحفظ هذا التشابك الأسري وينمى هذا التآصر العائلي بين مختلف محددات الأسرة الكبيرة (الممتدة) أو الصغيرة (النووية).

ومن ثم، فإن بوصلة الأسرة في القرآن موجهة دائما نحو قبلة الأمة القطب، بغية النهوض والشهود، لذلك فإنه من بين المقاصد القرآنية العليا تحديد جماعة الأسرة بدءا من الزوجين ومرورا بالأبناء وما يترتب عن ذلك من علاقات النسب والمصاهرة في تشريع دقيق محدد ومنضبط، حتى تتميز الجماعة الأسرية عن غيرها من جهة، وحتى تكون هذه الجماعة اللبنة الأولى في تشكيل المجتمع من جهة أخرى، فدون جماعة سوية لا يمكن الحديث عن مجتمع راشد، فيلزم من صلاح الأولى صلاح الثاني.

وعليه؛ فإن الاعتناء التشريعي بالأسرة كان من أجل تثبيت ماهيتها، وتجلية المساحات العلائقية وحدودها، والتركيز على أنها امتداد واتساع نحو أمة الرسالة والبلاغ والشهود. لذلك لم يكن غريبا أن جعل الإسلام لكل دائرة من دوائرها المبثوثة أحكاما وتشريعات دقيقة تحكم بناءها وتربطها بسابقتها وتصوبها نحو الدائرة الكبرى (الأمة) والرسالة الأسمى، وهي أمانة الاستخلاف وإعمار الأرض كدحا نحو الله تعالى وملاقاته([10]).

111

 فهذه الدوائر مترابطة ومتداخلة فيما بينها، فلا يمكن أن ننظر لدائرة بمعزل عن الدوائر الأخرى، وتظل الدائرة المركز (دائرة الزوجين) أهم الدوائر، لأن القيم التي تسودها تؤثر على باقي الدوائر تربية وتنمية (بنين وحفدة) وتعاملا وإحسانا (نسبا وصهرا) وعمرانا واستخلافا (أمة).

وبالنظر إلى الرؤية الاستخلافية العمرانية يمكن القول إن الزوجية هي النواة الرئيسية لتكوين الأمة القائمة الناهضة الراشدة (الأمة القطب)، ولا تكتمل هذه الزوجية دون تشابكها في إطار أواصر القرابة والنسب التي تندرج ضمن مسمى «الأهل».. ومجموع الأهالي هو الذي يكون الأمة.

فلا تتكون الأسرة من زوجين وأبناء تحدّهم أربعة جدران وتفرقهم عن غيرهم، بل الأسرة وإن افترقت مكانا، فإن آصرة الرّحم تمدّها إنسانا، وعليه، فإنّ الاجتماع الأسري نظامٌ تتفاعل في داخله كلُّ القيم مجتمعةً، فليس كلّ مجال أسري بوحدةٍ منغلقةٍ، أو جزيرةٍ منفصلةٍ عن الأخرى، بل هي علاقاتٌ أخلاقيةٌ متفاعلةٌ تتكامل فيها أخلاق الزّوجيّة بأخلاق الأبوة والبنوة والأخوة والقرابة وغيرها.

لذلك، فإن كون الأسرة صغيرة/نواة لا يلغي كونها جزءا من أسرة أكبر هي «العائلة/الأسرة الممتدة» بل كونها جزءا من جماعة أكبر وهي أمة الإسلام والإنسان.

 وعليه، فإن لكل دائرة من هذه الدوائر مقاصدها وقيمها الداخلية التي تحول دون تفككها، وقيمها الخارجية التي تشد من أواصرها، ومنه نفهم التفصيل التشريعي القرآني الخاص بالعلاقات الزوجية وما ينجم عنها من علاقات قرابية سواء على مستوى الوفاق، زواجا، أو الخلاف، إصلاحا وتدبيرا، أو الافتراق، طلاقا أو وفاة، وذلك بتحديد آليات كل مستوى على حدة؛ فيظل الزواج هو الرابطة المقدسة والميثاق الغليظ الذي ينبغي حشد جميع الوسائل من أجل تيسر سبله وتوطيد أركانه.


([1]) - ينظر الحديث في: سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين، 4450.

([2]) - رولا محمد الحيت، المفردات القرآنية في موضوع الأسرة: دلالاتها الفقهية وامتدادها الاجتماعي، مقالة منشورة ضمن أعمال: الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة، ص23.

([3]) - ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة [أسر]. الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة [أسر]. ابن منظور، لسان العرب، [أسر].

([4])- ينظر: البصائر والذخائر، 1/114.

([5])- ينظر: مصطفى فوضيل، مصطلح الأسرة: قراءة في ضوء القرآن الكريم، 49-50.

([6]) - فتح الباري، 6/528

([7])- ينظر مثلا: عبد المحسن حمادي، مدخل على أصول التربية، ص90. وهبة الزحيلي، الأسرة المسلمة في العالم المعاصر، ص20.

([8]) - وهذا هو جوهر التفريق بين التداول الإسلامي والتداول الغربي؛ إذ الناظر لمصطلح الأسرة في بعض المعاجم الغربية، سيجد أن سمته العامة التغير، حتى يخلو من كل محدد ماهوي ثابت؛ فحين نقلب النظر في المعاجم الأجنبية، سيتضح لنا التطور الهائل الذي عرفه المفهوم، حيث جاء في معجم لاروس الصادر سنة 1971 الأسرة هي «الأب والأم والأولاد».. وأول ما يلاحظ في هذا التعريف عدم الإشارة إلى نوعية الرابطة بين الأب والأم، مما يعتبر مؤشرا لنمو ظاهرة «الارتباط الحر» وقتها، إلا أن تحديد أطراف الأسرة بالأب والأم، في إحالة تأكيدية لجنس الأطراف، يكفينا مؤونة اختلاف الجنسين في تكوين أسرة، بخلاف التعاريف المعاصرة، والتي تدل على فشو الظواهر الشاذة في مجتمعاتها، الأمر الذي ينعكس على مفاهيمها، وقد جاء في النسخ المتأخرة من معجم «لاروس» في تعريف الأسرة: أشخاص تجمعهم روابط الدم والمصاهرة.
Larousse: Dictionnaire etymologique et historique du Français, Editions Larousse 2011. P374
ولم يشر التعريف إلى نوعية هذه الروابط أو مصدرها، شرعية أو غير شرعية، من جنسين مختلفين، أم من جنس واحد، وهذا البيان أكدته موسوعة لاروس حيث جاء فيها:
La famille est fondée traditionnellement sur le mariage, union entre un homme et une femme, formant un couple dont sont issus les enfants légitimes. Or, cette description doit être élargie compte tenu des évolutions de la société. Le couple peut être lié par un concubinage (union libre) ou par un pacte civil de solidarité (pacs). Dans ces deux derniers cas, le couple peut être formé de personnes de même sexe (famille homoparentale)".
ومعناه أن الأسرة التقليدية تتأسس على الزواج بين الرجل والمرأة وإنجاب أطفال شرعيين. لكن لا بد من توسيع هذا التوصيف في ضوء تطورات المجتمع، فالشريكان يمكن أن يرتبطان بالمعاشرة الحرة، أو بالاتفاق المدني القائم على التضامن. وفي الحالتين قد يكون الزوجان من نفس الجنس»
http://www.larousse.fr/encyclopedie/divers/famille/51139
وقد ورد في هذا الشرح نسف الدلالات الثابتة لمفهوم الأسرة، بل إنه جلى أن الأسرة قد تتكون من نفس الجنس، وهذا ما جعل بعض المؤتمرات يقترحون مصطلحات أخرى بديلة عن الأسرة نحو مصطلح »المتحدين والمتعايشين«Unions and Couples ، بهدف تقنين الشذوذ والإجهاز على الأسرة الفِطرية.
فيتأكد لنا من خلال ما سبق، أن مفهوم الأسرة المذكور 1971 صار مفهوما تقليديا تمّ تجاوزه، مما يبين أن الدلالات الأصلية لمفهوم الأسرة انزاحت عن معناها المركزي، حتى غدا مصطلحا يكتسي طابعا نسبيا يتغير بتغير المجتمعات، ويتطور بتطورها، ويتقهقر بانحدارها، وليس هناك نموذج معرفي ثابت يحدد ثوابته. ومنه، نفهم عدم وجود مكونات دلالية ثابتة في ماهية المفهوم، حيث إنها تتغير بتغير الأزمان والخلفيات، والعلة أنه لا يوجد أصل ثابت يتحكم في المفهوم، فيحدد المطلق من النسبي، والثابت من المتغير.

([9]) - للاطلاع على بعض التعريفات ينظر على سبيل المثال: عبد المحسن حمادي، مدخل على أصول التربية، ص90. وهبة الزحيلي، الأسرة المسلمة في العالم المعاصر، ص20.

([10])- الأسرة في الغرب، ص81.

ملاحظة:
نشر هذا النص في الكتاب التالي:
مقاصد الأسرة في القرآن: من الإنسان إلى العمران، 2017، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، ص 19-28.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *