العدل في النص القرآني

شارك:

محمد سليم العوَّا

عرض الدكتور محمد حسن جبل لمعاني تعبير (العدل) ومشتقاته في القرآن الكريم وانتهى بعد استقراء مواضع الاستعمال القرآني لهذه الكلمة إلى أنها ترد في مواضعها كلها بمعنى العدل الذي هو ضد الظلم، اللهم إلا في أربعة مواضع.1 ويذكر الدامغاني أن العدل في القرآن الكريم يفسَّر على خمسة أوجه هي: الفداء، الإنصاف، القيمة، شهادة أن لا إله إلا الله، الشرك2.

وقد ورد لفظ العدل وما اشتق منه في القرآن الكريم، تسع عشرة مرة، مستعملا بمعاني الحكم بالحق، وضد الجور، والإنصاف، والقسط، والسوية وما إليها، مما سبق ذكره.3على أنه ينبغي التنبه دائمًا إلى أن المقاصد القرآنية هي أصل المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية. ومقاصد القرآن مبسوطة في الكتاب العزيز كله لا يقتصر البحث عنها على الآيات التي ورد فيها اللفظ الدال عليها أو المؤدي معناها، وإنما يرتحل للوقوف عليها بين دفتي المصحف الشريف، المرة بعد المرة، ليقف الراغب في التعرف على مقاصد القرآن الكريم على طلبته. كيف لا وهو الذي لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، ويظل غضًا في فم كل قارئ وقلبه ما أخلص النية في تلاوته، وقصد بها وجه الله تعالى.

فمن ذلك قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل...﴾ وقوله في الآية نفسها ﴿...فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يُمِلَّ هو فليملل وليه بالعدل...﴾[البقرة:282]. والمراد بالعدل في هذه الآية، بموضعيها، الحق،4 بألا يزيد في الدَّيْن ولا ينقص منه بل يتحرى الحق والمعدلة بينهم5.

ومن ذلك قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل...﴾[النساء:58].  والخطاب الآمر بالحكم بالعدل في هذه الآية موجه للذين يتولون الحكم بين الناس في الخصومات، والمكلف بالحكم بين المتنازعين – كالقاضي والمحكّم ومن إليهما - عليه العناية بإظهار المحق منهما من المبطل، أو إظهار الحق لأحدهما وأخذ حقه ممن اعتدى عليه. والعدل: مساواة بين الناس في تعيين الأشياء لمستحقيها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه. والعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو من حسن الفطرة. والعدل في الحكم، وفي أداء الشهادة بالحق هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي، والانحراف عن ذلك ولو قِيدَ أنملة يجر إلى فساد متسلسل6.  والعدل – في هذه الآية – عند الشوكاني هو فصل الخصومة على ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وليس الحكمُ بالرأي المجردِ من الحقِّ في شيء.7

ولا ريب في أن هذا المعنى – لو انفرد – لجعل العدل مقصدًا قرآنيًا عامًا، ذلك أنه لا يختلف اثنان في أن صلاح المجتمع والأمة من أعظم المقاصد التي رعاها الإسلام وحثَّ عليها القرآن الكريم.  ولا ريب في إتيان الشريعة بالنهي عن الفساد كله. والعدل هو الذي يحقق منع الفساد، فهو مقصود لذاته ومقصود لغيره. فأما أنه مقصود لذاته فبيانه أن القرآن والسنة متظاهران على الأمر بإيتاء كل ذي حق حقه، وعلى تحريم العدوان، ورده إن وقع، بإعادة الحق إلى صاحبه أو بتعويضه عما لحقه من ضرر؛ وأما أنه مقصود لغيره فبيانه أن صلاح العالم لا يكون إلا به، وما يقتضيه المقصود الشرعي بحيث لا يتحقق إلا به يكون مقصودًا كذلك وإلا تناقضت أدلة الشرع وتهاترت، وهذا عبث ينزه الشارع – سبحانه وتعالى – عنه في قول المسلمين كافة8.

ومن مواضع ذكر (العدل) في القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَرون﴾ [النحل:90].  وقد اختلف في تأويل العدل والإحسان في هذه الآية، فنقل الطبري عن عبد الله بن عباس t أن المراد بالعدل قول لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض9 وأصَّل الطبري ذلك على فهم العدل على أنه «الإنصاف، ومن الإنصاف الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على أفضاله، وأن نولي الحمد أهله... فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له»10.  ونُقِل عن علي بن أبي طالب t أن العدل هو الإنصاف، والإحسان التفضل. وعن سفيان بن عيينة أن العدل ها هنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية.11  واستحسن الشوكاني – بعد ذكره لتلك المعاني – تفسير العدل بمعناه اللغوي وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فيكون المقصود أن يكون العباد على حالة متوسطة في الدين، ليست بمائلة إلى جانب الإفراط وهو الغُلوّ المذموم في الدين، ولا إلى جانب التفريط وهو الإخلال بشيء مما هو من الدين12وذهب ابن عطية إلى أن العدل هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع، وأداء الأمانات وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق13.

وأولى ما قيل، في معنى العدل هنا، بالصواب هو ما ذهب إليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور14 من أن العدل كلمة مجملة جامعة فيصار فيها إلى ما هو مقرر بين الناس في أصول الشرائع، وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع الخفاء، إذ مرجع تفاصيل العدل إلى أدلة الشريعة. وحقوق الناس بعضهم على بعض قد أصبحت من العدل بوضع الشريعة الإسلامية. وهو يصف هذه الآية بأنها جامعة أصول التشريع. وأن العدل فيها يعني إعطاء الحق لصاحبه. وهو الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجيّ من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات15وإذا كان العدل أصلا جامعًا للحقوق، على هذا النحو، فلا ريب أنه يمثل مقصدًا عامًا من المقاصد القرآنية التي يتحقق بمراعاتها والنزول عندها مراد الشارع من التشريع بوجه عام.

وقد روي عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخرها ثم قال: «إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئًا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئًا إلا جمعه»16. ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «هذه أجمع آية في القرآن لخير يُمتَثَلُ، ولشر يجتنب»17.

وفي القرآن الكريم أمرٌ لرسول الله ﷺ: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم﴾ [الشورى:15]. قال الشوكاني: «والظاهر أن الآية عامة في كل شيء»18، ونقل الطبري عن قتادة أنه قال: «أُمر نبي الله ﷺ أن يعدل فعدل حتى مات صلوات الله عليه. والعدل ميزان الله في الأرض، به يُأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدِّق الله الصادق، ويكذِّب الكاذب، وبالعدل يردُّ المعتدي ويوبخه»19. والمقصود بالعدل هنا هو العدل في جميع الأحوال.20

وقد أمر الله بالتزام العدل في الشهادة على الوصية فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم...﴾[المائدة:106].21   وقال تعالى، في الإشهاد على الطلاق:﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله...﴾[الطلاق:2]22.  ويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق بينة واضحة، بعيدة عن الاحتمالات والتوهمات»23.

ولم يأمر القرآن الكريم بالعدل في الحكم والفعل فحسب، بل فرض الله، سبحانه وتعالى، في كتابه، العدل في الكلام المنطوق ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى…﴾[الأنعام:152]. قال الشيخ ابن عاشور: «وهذا جامع كلَّ المعاملات بين الناس [التي تكون] بواسطة الكلام… والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق: بإبطالها أو إخفائها… ومنه التزام الصدق في التعديل والتجريح وإبداء النصيحة في المشاورة، وقول الحق في الصلح… وإذا وعد القائل لا يخلف، وإذا أوصى لا يظلم أصحاب حقوق الميراث، ولا يحلف على الباطل، وإذا مدح أحدًا مدحه بما فيه. وأما الشتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقًا فذلك الإمساك هو العدل لأن الله أمر به… والمرء في سعة من السكوت إن خشي قول العدل. وأما أن يقول الظلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك… وجاء طلب الحق بصيغة الأمر بالعدل، دون النهي عن الظلم أو الباطل…».24 ومرد هذا الفهم الصحيح للآية الكريمة أن كلام الناس يكون حقًا أحيانًا، ويكون باطلاً أحيانًا أخرى، والأمر بالعدل أمر بألا يكون الكلام إلا بالحق، فهذا هو مراد الشارع من الآية. وفي قوله تعالى ﴿ولو كان ذا قربى﴾ نهي عن التعصب لقريب أو التعصب على بعيد، ونهي عن الميل مع صديق أو على عدو، بل الواجب هو التسوية في الحق بين الناس لأن ذلك هو العدل الذي أمر الله به25.

ولأن واجب القيام بالعدل، أو بما يوجبه العدل من حق للغير لا يسقط عن المسلم في أي حال كان، ولأن الإنسان قد لا يستطيع القيام بالواجب منه على الوجه الأكمل فإن القرآن الكريم لم يأمر بالعدل الكامل التام في كل حال، بل أمر بما يمكن منه عندما يكون الوصول إلى تحقيقه كاملا غير مستطاع. برهان ذلك قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ [النساء:129]. فالعدل الذي تنفي هذه الآية إمكانه هو العدل المطلق الكامل، الذي يسوي فيه الرجل بين زوجاته في الأقوال والأفعال والمحبة والمعاشرة، وغير ذلك من صور التعامل بين الرجل ونسائه26. وعبّرت الآية الكريمة بــــ ﴿لن﴾ للمبالغة في نفي إمكان العدل التام، وعلل ذلك ابن عاشور بأن «أمر النساء يغالب النفس، لأن الله جعل حُسْنَ المرأة وخُلُقَها مؤثرًا أشد التأثير، فرب امرأة لبيبة خفيفة الروح، وأخرى ثقيلة حمقاء، فتفاوتهن في ذلك وخلو بعضهن منه يؤثر لا محالة تفاوتًا في محبة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصًا على إظهار العدل بينهن، فلذلك قال ﴿ولو حرصتم﴾. وأقام الله ميزان العدل بقوله: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾ أي لا يُفْرِطْ أحدكم بإظهار الميل إلى إحداهن حتى يسوء الأخرى بحيث تصير كالمعلقة»27. وقد نهى الله تعالى عن الميل كل الميل، لأن ترك الجور كل الجور في وسع الرجل، فليكن الميل بقدر، وليتجنب ما يعد منه جورًا تصبح معه إحدى الزوجتين – أو الزوجات – كالمعلقة28.

ومع أن العدل الكامل غير مستطاع – بصريح النص القرآني – فإن القدر الممكن منه واجب على الزوج إعمالا لقاعدة التكليف بالوسع.  والعدل في أداء حقوق الزوجة الواحدة – حال عدم التعدد – واجب وجوبه بين الزوجات المجتمعات إذا تعددن. فلا يجوز للرجل أن يميل عن زوجته ميلا يعد ظلمًا لها ولو لم يبلغ بها أن تكون كالمعلقة. فإن من واجب الأزواج البرُ بالزوجات وإحسان الصلة بهن وهذا بعض معنى قول الله تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء:34]، فإن القوَّام هو القائم على الشيء بما يصلحه. وليس الإصلاح أن يظلمها أو يميل عنها أو يقصر في حقوقها.  فإن «من الحب حظًا هو اختياري، وهو أن يَرُوضَ الزوج نفسَه على الإحسان لامرأته، وتحمل ما لا يلائمه من خَلْقِها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتى يحصل من الإلف بها والحُنُوَّ عليها، بطول التكرر والتعود، ما يقوم مقام الميل الطبيعي»29. وهذا أحد المواضع التي استنبطت منها القاعدة القائلة: «ما لا يدرك كله لا يترك جله».

وأمر الله سبحانه أن يكون العدل أساس الحكم في جزاء قتل الصيد عمدًا في الحرم ﴿... فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة...﴾[المائدة:95]. والحكمان من ذوي العدل – في هذا المقام – يجب أن يَجْمعا، إلى العدالة الذاتية، المعرفةَ بقيمةِ الصيد الذي قتله المُحْرِم لأنه ليس كل عدلٍ يعرف ذلك. وما يحكم به الحكمان يكون ملزمًا للمحكوم عليه.30

وفرض الله – تبارك اسمه – القيام بالعدل بين المسلمين وأعدائهم ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾[المائدة:8]. والشنآن هو البغض، أو شدته، فنهى الله تبارك وتعالى عن ترك العدل الواجب على المؤمنين بسبب البغضاء بينهم وبين غيرهم. ثم أكد سبحانه وجوب العدل في كل حال بجملة ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، أي أقرب لأن تتقوا الله، أو لأن تتقوا النار31.

وقد جمع القرآن الكريم بين الأمر بالعدل الخاص والأمر بالعدل العام في آية واحدة هي قوله تعالى في شأن قتال البغاة من المسلمين: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات:9]. فبعد أن تبغي إحدى الطائفتين على الأخرى يأتي الأمر بالإصلاح بينهما بالعدل. والمراد به العدل الخاص في شأن الخسائر التي لحقت بكل فريق إذ تفاوتها يوجب النظر الذي يراعي تحقيق العدالة لكل منهما. والفئة التي خضعت للقوة وألقت السلاح تكون شاعرة بانتصار الفئة الأخرى عليها، كسيرة الخاطر لهزيمتها، فأوجب الله تعالى على المسلمين أن يستعيدوها إلى الجماعة ويشعروها بأخوة الإسلام لئلا يورث القتال بينها وبين الطائفة الأخرى بغضاء ذميمة، أو شحناء مستكنة، يستثيرها أدنى مثير فينشب القتال من جديد.

ثم بعد هذا العدل الخاص أمر ربنا – تبارك اسمه – بالعدل العام بقوله ﴿وأقسطوا﴾ ومؤداه أن يعدل المسلمون في كل أمورهم، وزاد الترغيب فيه بقوله ﴿إن الله يحب المقسطين﴾. فالعدل العام واجب في كل حال، والعدل الخاص واجب عند وقوع ما يقتضيه، فلا تنفك الأمة، أو الجماعة المسلمة، عن أن تكون على حال في العدل دائمة لا يسوغ لها التحلل منها أو التغاضي عن النزول على حكمها32.

ويلفت النظر في الآيتين الكريمتين، من سورة المائدة وسورة الحجرات، أن القرآن الكريم قدم في إحداهما ذكر القسط على العدل، وقدم في الثانية ذكر العدل على القسط. وقد يلوح للمتأمل أن المغايرة في الصيغة يترتب عليها مغايرة في المعنى ولابد. لكن الصحيح أن اللفظين بمعنى واحد في كلام العرب وفي الاستعمال القرآني، وما التقديم والتأخير في النظم القرآني إلا أداة من أدوات البلاغة المعجزة لهذا الكتاب العزيز.

وقد ورد لفظ القسط ومشتقاته منفردًا مرادًا به العدل في واحد وعشرين موضعًا من القرآن الكريم. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾[آل عمران: 18]. وأهل التفسير متفقون على أن ﴿بالقسط﴾ تعني بالعدل33.  قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور «والقسط: العدل... وقد أقام الله القسط في تكوين العوالم على نظمها، وفي تقدير بقاء الأنواع، وإيداع أسباب المدافعة في نفوس الموجودات، وفيما شرع للبشر من الشرائع في الاعتقاد والعمل: لدفع ظلم بعضهم بعضًا، وظلمهم أنفسهم، فهو القائم بالعدل سبحانه، وعدل الناس مقتبس من محاكاة عدله»34.

وذهب الشيخ ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله...﴾[النساء:135]، إلى أن القسط هو العدل، غير أن القسط كلمة معربة أدخلت في كلام العرب لدلالتها في اللغة المنقولة منها على العدل في الحكم، وأما لفظ العدل فأعم من ذلك.35ومقصود الآية أمر المؤمنين بالشهادة بالحق – وهو العدل – على أنفسهم بحقوق الغير، وعلى والديهم أو الأقربين بما يلزم أيًا منهم من حقوق لغيره، وذكر الأبوين لأنهما أحب الخلق، في العادة، إلى الإنسان، وذكر الأقربين لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإذا  شهد المرء بما على نفسه وبما على هؤلاء المقربين إليه من حقوق للغير كان أحرى أن يشهد على الأجنبي من الناس حيث ينتفي داعي كتمان الشهادة أو تغيير وجه الحق فيها.36

ومن تلك الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿... وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾[الأنعام:152]. ومثله قوله سبحانه في سورة هود ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾[هود:85]، ومثل ذلك في الآية (35) من سورة الإسراء، وفي الآيتين (181) و(182) من سورة الشعراء، وفي الآية (9) من سورة الرحمن. ودلالة هذه الآيات، في تكرارها، على أهمية العدل في العلاقات التجارية، من بيع وشراء ونحوها لا تخفى، إذ في مثل ذلك يكثر الطمع والتغابن والتطفيف، فنبه الله – تبارك اسمه – على خطورة ذلك وعلى أهمية اتباع العدل في تلك المعاملات ونظائرها، وفاءً بالحقوق لأصحابها وتوقيًا لأكل مال الناس بالباطل الذي تَفسدُ به الدنيا، وتُمحقُ به البركة، وهذا كله مخالف لمقصود الله تعالى في إحقاق الحق وإبطال الباطل.

ولعل أجمع آية في وجوب حمل الناس على العدل هي قوله تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ [الحديد:25].  قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله تعالى وحقوق خلقه. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ فمن عَدَلَ عن الكتاب قوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. وقد رُوي عن جابر بن عبد الله t أنه قال: «أمرنا رسول الله أن نضرب بهذا – يعني السيف – من عَدَل عن هذا – يعني المصحف 37. ومذهب بعض أهل التفسير في هذه الآية أنها خبر عن إرسال الرسل وإنزال الكتب وشَرْعِ العدل (=القسط) وتعليم صناعة السلاح ليحاربَ به من عاند، ولم يهتد بهديْ الله، فلم يبق له عذر38. والقسط في هذه الآية هو العدل في جميع الأمور، فهو أعم من الميزان المذكور، لأن القسط يقتضي إجراء أمور الناس كلها على ما يقتضيه الحق، فهو عدل عام. أما العدل الذي يقتضيه ذكر الميزان فهو مختص بالفصل بين متنازعيْن في كل منازعة على حدة39.

والآية رقم (25) من سورة الحديد، مثلها مثل الآية رقم (9) من سورة الحجرات، تذكر كل منهما عدلين: عدلا عامًا وعدلا خاصًا، في تنبيه، لا يخطؤه النظر، من القرآن الكريم على وجوب العدل في كل حال وتحريم الجور في كل مجال. ولذلك قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «أنبأنا استقراء الشريعة من أقوالها وتصرفاتها بأن مقصدها أن يكون للأمة ولاة يسوسون مصالحها، ويقيمون العدل فيها وينفذون أحكام الشريعة بينها... وقد أشار إلى هذا قوله ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط...﴾ [الحديد:25]... ومقصد الشريعة من نظام هيئة القضاء كلها على الجملة أن يشتمل على ما فيه إعانة على إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي... وقد ظهر أن مقصد الشريعة من القاضي إبلاغه الحقوق إلى طالبيها، وذلك يعتمد أمورًا: أصالة الرأي، والعلم، والسلامة من نفوذ غيره عليه، والعدالة» وهي «الوازع عن الجور في الحكم والتقصير في تقصِّي النظر في حجج الخصوم؛ فإن القضاء أمانة ولذلك قرنه الله بالأمانات في قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾[النساء:5840.

وقد نصت الآيات المذكورة آنفًا على العدل في جميع مجالات الحياة، جليلها وصغيرها، ليتبين أولو الألباب أن العدل - باعتباره مقصدًا قرآنيًا – يجب تحقيقه في كل علاقة بين طرفين، نُصَّ عليها في القرآن الكريم أم لم ينص؛ فوجوبه بين الرجل وأهله، وبين الحاكم والمحكومين، وفي كتابة الديون والإشهاد على الوصية، والإشهاد على الطلاق، ووجوبُه في القول وجوبَه في العمل... كل ذلك دليل يقاس به ما لم يُنَصَّ عليه من أفعال الناس وأقوالهم وعلاقاتهم وتصرفاتهم، من حيث وجوب العدل فيه، على ما نص عليه القرآن بخصوصه.

وينبغي التنبه إلى أن الاحتفاء بمفهوم العدل في القرآن الكريم لا يتبين من تتبع مواضع ورود الألفاظ الدالة عليه وحدها، ففي القرآن الكريم آيات كثيرة دالة على وجوب العدل دون أن تكون متضمنة كلمة (العدل) أو (القسط)، أي إن هذه الآيات تدل على مقصد العدل، وكونه من مقاصد القرآن الكريم، بطريق الإشارة أو الإيماء دون طريق العبارة الصريحة اللفظ. مما يقتضي تأمل القرآن الكريم كله، فإن كثيرا من آياته التي لا تتضمن تلك الألفاظ تدل بمؤداها على كون العدل مقصدًا قرآنيا أساسيًا. تأمل، إن شئت، قول الله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًأ﴾[البقرة:143]. والوسط: السواء والعدل والنصف.41

ومن أمر القرآن الكريم بالعدل، دون إيراد لفظه أو لفظ مرادف له، ما جاء في قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا﴾ [النساء:9]. ودون خوض في تأويلات المفسرين، من القدامى والمحدثين، لمعنى هذه الآية، فإن الذي يعنينا منها هو تفسير القول السديد. قال الطبري: «والسديد من الكلام هو العدل والصواب»42 وكذلك قال القرطبي، ثم قال: «وقيل المعنى قولوا للميت قولا عدلا»،43 أي في حال احتضاره.

وأحكام الميراث مبناها كلها على العدل في قسمة المال الموروث بين مستحقيه، وهو عدلٌ لو أنفق أهل الأرض فيه أعمارهم ما هم ببالغيه، وكفى دليلا لصحة ذلك قول الله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾[النساء:11]. وذهب الطبري إلى أن معنى هذه الآية الكريمة أن الله تعالى «لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي عليه من مواضع المصلحة في البدء والعاقبة»44.

ومن هذه الآيات قوله سبحانه في شأن النساء ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾[البقرة:231]. وقوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ [البقرة:232]. وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ [النساء:19]. وقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾[النساء:20].

وتأمل، كذلك، الآيات الكريمة الدالة على التوسط في الأمور المذكورة فيها، من مثل قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسُطها كل البسط فتقعد ملومًأ محسورًا﴾ [الإسراء:29]، وقوله ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنْسَ نصيبك من الدنيا﴾[القصص:77]، وقوله سبحانه ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:67]. فهذه الآيات، ونظائرها، تدل على معنى العدل وإن لم يرد فيها لفظه أو لفظ مرادف له45.

ونظائر هذه الآيات الكريمة كثيرة جدًا في القرآن الكريم، وهي مفرقة في مجالات متعددة، الأمر الذي يدل على أن مقصد العدل مقصد محيط، في التشريع القرآني، بأحكام العلاقات الإنسانية كافة. ولينظر من شاء في أحكام الزواج والطلاق والميراث والوصية، والبيع والشراء، والحدود والقصاص فإنه يجد مدار الأمر فيها على العدل ومناط النهي فيها هو الظلم. وهذا قاطع في اعتبار العدل مقصدًا قرآنيًا يُتحرى ويُتبع ويُؤمر به ويُنهى عن ضده، وهو الظلم، في أي نوع من أنواع العلاقات الإنسانية46.

ملاحظة:
نشر هذا النص في الكتاب التالي:
مقصد العدل في القرآن الكريم، 2016، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، لندن، ص 17 -46.

يرجى الملاحظة بأن بعض الصور المستخدمة في هذه المقالة المنشورة على الموقع قد لا تكون جزءًا من نسخة المقالة المنشورة ضمن الكتاب المعني.

صوت وصورة

مقالات مختارة

إقرأ المزيد

الحقوق والحريات في الإسلام

أحمد فرَّاج محتويات المقال:الأمر الأول: إزالة ما علق بالإسلام من تشويهالأمر الثاني: الذي أرى أننا مـدعوون إليه هوالتطوّرالتقويمالحريات في الإسلامالقيود حماية الحق عندما نتحدّث عن حقوق الإنسان وحرياته في الإسلام، نتحدّث ع...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

تنظيم الدفاع عن حقوق الإنسان

محاولة للتأصيل من منظور إسلامي محمد سليم العوّا 1- لا يخطيء من يقول إن «حقوق الإنسان» هي شعار الـربع الأخيرمن القرن العشــرين الميلادي. فـقـد نشطت حـركة الـدفاع عن حقوق الإنسان منذ أواسط السبعينيات من هذا القرن نشاطا فاق...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الشريعة الإسلاميّة وتحفظات الدول الإسلامية على الاتفاقيات الدولية

أحمد عوض هندي: أستاذ قانون المرافعات- كلية الحقوق- جامعة الإسكندرية محتويات المقال:1- مقاصد الشريعة الإسلامية:2- العلاقة بين مقاصد الشريعة وأحكام القانون:3- مفهوم الاتفاقيات الدولية وأثرها:4- ظهور المعاهدات ذات الطابع ال...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الشريعة الإسلاميّة والمحكمة الجنائية الدولية

عوض محمد عوض: أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الإسكندرية محتويات المقال:فكرة المحكمة الجنائية الدولية: نشأتها وتطورهاالجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدوليةالمحكمة الجنائية الدولية في ميزان الشريعة الإسلاميةأولًا:...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقصد الحرية عند الطاهر بن عاشور

محمد سليم العوا بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإننا لو تحدثنا عن مقصد الحرية عند الطاهر بن عاشور منذ شهرين لكان حديثاً مكروراً مُعاداً لا يجد الإنسان له صدى في واقع حياته اليومية...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الشريعة الإسلامية الكلية ومكافحة الإتجار بالبشر

فايز حسن إن أخطر مشكلة بين مجتمعي الشرق والغرب تتمثل في اختلاف الرؤية الأوروبية الغربية لحقوق الإنسان عن الرؤية الإسلامية، وهو المعيار الذي يتم به تصنيف الدول والعلاقات الدولية، ومن أهم هذه الجوانب جانب جريمة قديمة، ولكن...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقصد العدل في القرآن الكريم

محمد سليم العوَّا: مفكر إسلامي وخبير قانوني وهو عضر مجمع اللغة العربية بمصر، والأكاديمية الملكية الأردنية، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي – منظمة لمؤتمر الإسلامي – جدة محتويات المقال:أولا: بين الشاب والشيخثانيًا: ما هو العد...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقصد العدل وصداه في التشريع الجنائي الإسلامي

عوض محمد عوض محتويات المقال:المقاصد الشرعيةأولا: مبدأ الشرعيةثانيا: مناط المسؤوليةثالثا: العلم شرط لاستحقاق العقابرابعا: شخصية المسؤوليةخامسا: المساواةسادسا: التناسب بين الجرم والعقاب  (1) الأصل في الشرائع كلها أنها...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الحرية في الفقه الإسلامي المعاصر حق التنظيم الحزبي والانتخابات نموذجًا

راشد الغنوشي: مفكر وسياسي إسلامي، زعيم حزب النهضة التونسي محتويات المقال:الحريّة مقصدٌ شرعيٌّحرية الاعتقاد والضميرحق التنظيم الحزبي والانتخاباتحق التنظيم الحزبيأ- مفهوم الحزب لغةب - مفهوم الحزب اصطلاحًاخلفيات النظرة السل...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الشريعة في قوانين العمل وحقوق الإنسان

أحمد جاب الله: مدير المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية – باريس محتويات المقال:تعريف العملالمقاصد الشرعية للعمل1- مقصد التعبد2- عمارة الأرض وتنمية الثروة3- تحقيق الاكتفاء الذاتي4- التعبير عن القدرات الذاتية في العمل والإنتا...

مقالات متعلقة بأيام دولية

أنشطة ذات صلة

Back to Top