مقصد العدل وصداه في التشريع الجنائي الإسلامي

شارك:

عوض محمد عوض

محتويات المقال:
المقاصد الشرعية
أولا: مبدأ الشرعية
ثانيا: مناط المسؤولية
ثالثا: العلم شرط لاستحقاق العقاب
رابعا: شخصية المسؤولية
خامسا: المساواة
سادسا: التناسب بين الجرم والعقاب

 (1) الأصل في الشرائع كلها أنها وضعت لخير الإنسان – أفرادا كانوا أو جماعات – لا فرق في ذلك بين شريعة قديمة وحديثة، ولا بين سماوية ووضعية؛ فكلها تسعى إلى غاية واحدة، وهي حماية المجتمع بضمان أمنه وكفالة استقراره وتقدمه، وحماية أفراده بالمحافظة على حقوقهم. ويمكن القول بأن المقصد الكلي لكل تشريع هو درء المفاسد وجلب المصالح، وإن تميزت الشرائع السماوية بأنها تهدف كذلك إلى تحقيق سعادة الإنسان في الحياة الآخرة.

 (2) غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تطابق الشرائع كلها، فما زالت الشرائع رغم اشتراكها في الغاية أو المقصد الكلي متباينة في بعض أحكامها. ويرجع هذا التباين إلى سببين: الأول اختلاف الأنظار في تحديد ما يعد مفسدة وما يعد مصلحة، لاتسام كلتيهما بالنسبية؛ فما تراه بعض الشرائع مصلحة قد يراه البعض الآخر مفسدة، والعكس صحيح. والثاني تباين الآراء في اختيار أمثل الطرق لدرء المفاسد وجلب المصالح. على أن اختلاف الشرائع فيما بينها لا يبلغ حد القطيعة أو التناقض الشامل، بل المشاهد أن ما بين الشرائع من التوافق هو أكثر مما بينها من التباين والتنافر وذلك لوحدة العقل البشري، وهو فرع من وحدة الأصل الإنساني.

ويعلل العز بن عبد السلام هذا التوافق بأن معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل في معظم الشرائع، إذ لا يخفي على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، واتفق الحكماء وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع والأموال والأعراض، وعلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال، وإن اختلف في بعض ذلك فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي والرجحان، فيتحير العباد عند التساوي، ويتوقفون إذا تحيروا في التفاوت والتساوي1.

ويشرح العز أسباب التوافق والتباين بين الشرائع فيقول: المصالح ثلاثة أقسام: أحدها واجب التحصيل، فإن عظمت المصلحة وجبت في كل شريعة، والقسم الثاني مندوبة التحصيل، والثالث مباحة التحصيل ... والمفاسد ثلاثة أقسام: أحدها ما يجب درؤه، فإن عظمت مفسدته وجب درؤه في كل شريعة كالكفر والقتل والزنا والغصب وإفساد العقول، والقسم الثاني ما تختلف فيه الشرائع، فيحظر في شرع ويباح في آخر تشديدًا على من حرم عليه وتخفيفًا على من أبيح له، والثالث ما تدرؤه الشرائع كراهية له2.

وهذا النظر سديد؛ فثم مصالح لا يختلف العقلاء في وجوب تحصيلها، ومفاسد لا يختلفون في وجوب درئها، وثم مصالح ومفاسد تتفاوت أنظار العقلاء في شأنها. ثم الحال في الطائفة الأخيرة معتبرة حتى عند الجماعة الواحدة تبعًا لاختلاف الأحوال والأزمان.

(3) واختلف الرأي في الأداة التي تتحدد بها المصلحة والمفسدة. أما الشرائع الوضعية فلا خلاف في أن العقل فيها هو المحكم، فهو وحده الذي يحدد المصلحة الواجب حفظها أو جلبها والمفسدة الواجب درؤها. أما فقهاء الشريعة فجمهورهم على أن الشرع هو المحكم؛ فما اعتبره الشرع مصلحة فهو مصلحة، وما اعتبره مفسدة فهو كذلك.

على أن ذلك لا يعني أنهم أسقطوا دور العقل. يقول العز بن عبد السلام: «إن مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته، ومن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته»3. فهو يرى أن العقل والشرع لا يختلفان في معرفة المصالح والمفاسد إلا أن تفسد فطرة الإنسان أو يصاب طبعه بحول، فهو عندئذ إما جاهل غلبت عليه الشقاوة أو أحمق زادت عليه الغباوة.4

وغالى بعض الفقهاء في دور العقل حتى إن منهم من عده من مصادر الأدلة الشرعية كالمعتزلة، بل لقد قدمه البعض على النص والإجماع كالطوفي، فهو يفرق في رسالته عن رعاية المصلحة بين العبادات والمعاملات، ويرى أن المعول عليه في العبادات والمقدرات هو النص والإجماع، أما المعاملات وباقي الأحكام فالمعول عليه فيها مصالح الناس، لأن العبادات حق للشرع خاص به ولا يمكن معرفة حقه كيفا وكما وزمانا ومكانا إلا من جهته بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكامها سياسة شرعية وضعت لمصالحهم فكانت هي المعتبرة. وتحسَّب الطوفي لاعتراض قد يتجه إليه ودفعه بقوله: ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالح الناس فلتؤخذ من أدلته، لأن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها فليقدمها في تحصيل المصالح، وإنما يقال هذا في العبادات التي تخفي مصالحها عن مجاري العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل5.

غير أن الشاطبي – وهو لا ينكر دور العقل في تعرف المصالح والمفاسد وفي الترجيح بينها عند تعارضها – لا يضع العقل في الصدارة ولا يعتبر دوره حاسمًا، بل يجعل هذا الدور محدودًا، إذ يقول إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه، والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له؛ فقد يكون ساعيًا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها، أو يوصله إليها عاجلاً لا آجلاً، أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة، أو يكون فيها مفسدة تربى في الموازنة على المصلحة، فلا يقوم خيرها بشرها. ويقول: فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فإذا كان ذلك كذلك فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة والتخفيف على الكمال، بخلاف الرجوع إلى ما خالفه6. وحذر الشاطبي من التعويل على العقل وحده، لأن الأحكام إنما وضعت لمصالح العباد على حسب توقيف الشارع وعلى الحد الذي حده، لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم، إذ يترتب على توارد الأهواء والأغراض على الشيء الواحد انخرام النظام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنين: 71]. ويستدل الشاطبي على صحة رأيه بأنه لو كان الأمر على ما قاله المخالفون بإطلاق لم يحتج في الشرع إلا إلى بث مصالح الدار الآخرة وحدها، وذلك لم يكن.7

وما قرره الشاطبي في هذا الخصوص صحيح في الجملة، غير أنه جعل العقل مرادفًا للأهواء والشهوات وهو ما لم يقصده المخالفون على التحقيق. فهم لم يقصدوا عقل آحاد الناس، بل قصدوا العقل الجمعي، ثم إنهم لم يجعلوا هذا العقل شاملاً عقل العوام، بل قصروه على عقل الفئة الرشيدة. لكن هذا كله ليس من شأنه دفع وجوه النقد التي أثارها الشاطبي. وقد أصاب حين عارضهم بأنه لو كان الأمر على ما قالوا ما كان الشرع بحاجة إلى تبيان مصالح الدنيا ومفاسدها اكتفاء بحكم العقل وحده. وفضلاً عن ذلك فقد أثبت الواقع أن الناس لو تركوا لعقولهم وحدها فليس من المحتم أن يهتدوا إلى كل المصالح الحقيقية والمفاسد الحقيقية، وألا يخلطوا بينها. والدليل على ذلك – كما يقول الشاطبي – أنه لما جاء الشرع بعد زمان فترة تبين منه ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام8. والشواهد على صحة هذا النظر كثيرة، فقد كان العرب يئدون النبات وينكحون نساء الآباء ويستحلون الربا، وكان قوم لوط يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وكان الناس يعبدون الأوثان ويسفهون من يدعوهم إلى التوحيد ويقولون مستنكرين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]، ونحو ذلك كثير.

والمسلّم أن الله لا يفعل شيئًا عبثًا، فهذا يتنافى مع حكمته. وقد خلق الإنسان وأرسل له الرسل مبشرين ومنذرين، وشرع له أحكامًا تنظم علاقته بربه وبسائر خلقه. ولا شك أن خالق الإنسان أدرى منه بما يصلح أمره. وإذا كان قد خلقه وزوده بالعقل ولم يكله مع ذلك إلى عقله في كل أمره، بل امتن عليه فشرع له من الدين ما أوحى به إلى رسله، ثبت أن شرع غيره أدنى من شرعه، وأنه لا يحقق خير الإنسان كما يحققه شرع ربه وذلك لسببين، الأول أن الله لا يعود عليه من شرعه نفع لنفسه، والثاني أنه عليم مطلق العلم حكيم مطلق الحكمة، فما يأمر به خير وما ينهى عنه شر. أما شريعة البشر فإن واضعها مهما يتمسك بالحيدة – حقيقة أو تظاهرا – فليس في وسعه أن يتحرر كلية مما هو كامن في نفسه من نزوع إلى تحقيق مصلحته الشخصية أو مصلحة فئته التي يمثلها أو حتى شعبه الذي ينتمي إليه، ولو أدى ذلك إلى غمط حقوق غيره أو غير فئته أو الشعوب الأخرى. كذلك فإن واضعي شرائع البشر – وفيهم قصور البشر – لا يحيط علمهم بوجوه المصالح كما يحيط بها علم الله، ولا تبلغ حكمتهم في الموازنة والترجيح بينها عند التعارض مبلغ حكمة الله.

المقاصد الشرعية

(4) لم يلزم فقهاء الشريعة جميعًا مصطلح المقاصد فيما كتبوه، لكنهم عبروا عن هذا المعنى بعبارات تختلف في لفظها وتتفق في مدلولها. فقيل هي جلب المصالح ودرء المفاسد، وقيل هي الأصول التي اعتبرها الشارع في التشريع وتكون أساسًا لدليل القياس، وقيل هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو في معظمها، وقيل هي الأهداف التي شرعت الأحكام لتحقيقها، سواء كان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أو عن طريق دفع المضار.

(5) وحصر قدامى الفقهاء مقاصد الشرع في عدد محدود غايته المحافظة على الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوتها فهو مفسدة. وتحفظ بعض الفقهاء على هذا الحصر ورأوا أن رعاية هذه المصالح لا تستغرق مقاصد الشرع، لأنها أرحب من ذلك، ومن ثم فقد زاد بعضهم مقصدًا أو أكثر.

ويبدو لي أن الفقهاء الذين حصروا مقاصد الشرع فيما أسموه الضروريات الخمس لم يعتمدوا في ذلك على استقراء جملة أحكام الشريعة، وهي الطريقة المثلى في استنباط المقاصد، بل سلكوا مسلكًا أراه محل نظر. وأغلب الظن أنهم ركزا اهتمامهم على طائفة من الجرائم هي التي عاقب الشارع عليها حدًا أو قصاصًا، ورأوا أنه ما دام الشارع قد عنى بالنص عليها صراحة فما ذلك إلا لأنها في تقديره أشد الجرائم جسامة، وأن جسامتها ناشئة من مساسها بأخطر المصالح، واستنتجوا من ذلك أن رعاية هذه المصالح هي مقصوده الأساسي، فقالوا إن حد الردة شرع للمحافظة على الدين، والقصاص والدية للمحافظة على النفس، وحد الشرب للمحافظة على العقل، وحد الزنا والقذف للمحافظة على النسل – عند البعض وعلى النسل والعرض عند آخرين – وحد السرقة والحرابة للمحافظة على المال.

وربما زكى هذا النظر لدى الفقهاء أن الشارع أفرد هذه الجرائم بأحكام خاصة، فعنى ببيان طريقة إثباتها وتحديد عقوبة كل منها – نوعًا ومقدارًا – وكيفية تنفيذها، وحظر زيادتها أو نقصها أو إبدالها، ومنع العفو عند الحد إذا بلغ الإمام، واختلف الرأي في أثر التوبة على العقوبة عدا توبة المحارب قبل القدرة عليه.

(6) والراجح لدينا أن عناية الشارع بتنظيم أحكام الحدود والقصاص لا يتأذى منه بالضرورة أن هذه الجرائم هي أشد الجرائم خطورة ولا أن عقوباتها هي أشد العقوبات جسامة، ولا أن رعاية المصالح التي تنال منها هذه الجرائم هي كل مقصود الشرع. والدليل على ذلك أن السرقة وهي عدوان على المال معاقب عليها بقطع اليد، ومع ذلك فإن خيانة الأمانة والنصب لا قطع فيهما رغم اتحادهما مع السرقة في علة القطع وهي العدوان على المال. ولا يعترض بأن صاحب المال في السرقة لم يفرط، بل بذل في صون ماله غاية جهده فحفظه في حرز فكان إمعان الشرع في حمايته أوجب، بخلاف الحال في خيانة الأمانة والنصب لأن صاحب المال في الحالين مفرط، إذ لم يحتط لماله بالقدر الواجب، بل وضع ثقته فيمن ليس أهلاً لها في الحالة الأولى، وتخلى عن ماله بغير روية في الثانية. فهذا الاعتراض مردود بأنه لا يطرد، فقد تقوم ضرورة ملجئة لا يجد صاحب المال إزاءها من يعهد إليه بماله سوى من ائتمنه، وقد يكون صاحب المال سليم الطوية والنصاب واسع الحيلة فيكون الأول معذورًا إذا انطلت عليه حيلته. وإذا جازت المنازعة في ذلك فما القول فيمن يحفظ متاعه في حرز فينتهكه الجاني ثم لا يخرج منه شيئًا، بل يتلف فيه ما يبلغ نصابًا، والإجماع على أنه لا يقطع! هذا من جهة الفعل، أما من جهة العقوبة فالمقرر أن عقوبة زنا غير المحصن الجلد مائة، وعقوبة القذف ثمانون، وعقوبة الشرب أربعون، ومن غير المقبول أن تكون هذه العقوبات هي أشد العقوبات جسامة، وإلا امتنع العقاب تعزيرًا بما هو أشد منها، وهو غير مسلم من جمهور الفقهاء؛ فهم يجيزون التعزير حتى بالقتل في بعض الجرائم. ولا سوغ القول بأن الشرع يحظر العقاب على الرشوة والتزوير والحريق والاتجار بالمخدرات وخطف الإناث والتجسس لصالح الأعداء بما هو أشد من الجلد أو بما يجاوز الأربعين جلدة. وشذوذ هذه النتائج فرع من شذوذ القول بأن جرائم الحدود والقصاص هي أخطر الجرائم وأن عقوباتها هي أشد العقوبات جسامة، وأن مقاصد الشرع تنحصر كلها في المصالح التي تهدرها تلك الجرائم.

والطريقة المثلى لاستقصاء مقاصد الشرع يجب أن تتجاوز هذه النظرة الضيقة وأن تتسع لتشمل جملة أوامر الشرع ونواهيه، لأن الشرع لا يأمر إلا بما يحفظ أو يحقق مصلحة ولا ينهى إلا عما يعد مفسدة. ومن جماع الأوامر والنواهي يمكن استنباط سائر المقاصد.

(7) وقد أشرنا إلى أن من الفقهاء من لم يقنع بالمقاصد التي تمثلها الضروريات الخمس، بل سعى إلى إضافة مقاصد أخرى. وبدا لي من واقع اهتمامي بالتشريع الجنائي الإسلامي أن المقصد الذي تدور حوله عامة أحكام هذا التشريع أو أصوله هو العدل. وهذا لا يعني أن هذا المقصد أكثر وضوحًا في هذا المجال منه في سائر المجالات، بل الصحيح أنه شديد الوضوح فيها جميعًا، بل لعل له الصدارة على غيره من المقاصد في كل الأحكام، وذلك لسبب بسيط هو أن أحكام الشريعة أوامر ونواه، ولكل أمر أو نهي جزاء، والعدل لا ينفك عن الجزاء. ولهذا فإنه مما يجري على ألسنة الفقهاء أن العدل عماد الشريعة، كما أن التوحيد عماد العقيدة. والعدل مركوز في الفطرة الإنسانية، ولذلك فالشرائع كلها تقره ولا تقرره، أي أنها تنزل على حكمه ولا تنشئه. وإذا كانت للجسد حواس فللعقل مثلها، ومن هذه الحواس حاسة العدالة. ولما كان الإسلام دين الفطرة فمن الطبيعي أن تكون أحكامه أكثر انسجامًا مع فكرة العدل.

(8) ولا يتسع المقام هنا لإيراد النصوص التي تؤكد هذا المقصد، فهي أكثر من أن يحيط بها الحصر، ويكفي أن العدل هو أحد أسماء الله الحسنى. وإنما يقتصر بحثنا على بيان الدور الذي يؤديه مقصد العدل في تقرير وفي ضبط كثير من الأحكام في المجال الجنائي. ويحسن التنبيه هنا إلى أننا لا نسعى في هذه الدراسة إلى استقصاء كل الأحكام الجنائية التي تتجلى فيها فكرة العدل، فهي لا تكاد تنفك عن أي حكم، ولكننا نعرض فقط لطائفة منها يبدو فيها مقصد العدل أكثر وضوحًا ونتناولها بالقدر اللازم لإبراز هذا المعنى.

أولا: مبدأ الشرعية

(9) يتردد هذا المبدأ في الدساتير المعاصرة، ومنها الدستور المصري، فقد نصت المادة 67 منه على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون. وهذا المبدأ مقرر في الشريعة الإسلامية بوجه عام، وهو من القواعد الكلية التي تدل عليها النصوص. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: 59]. وهذه القاعدة يمليها العدل، لأن الأصل في الأفعال الإباحة، وأنه لا تكليف قبل ورود الشرع. فمتى أريد حظر فعل أو الإلزام لفعل فالعدل يوجب إعلام المخاطب أولاً بالأمر أو بالنهي، وإلا كانت مفاجأته بالعقاب ظلمًا. وقد أراد الشرع بالنذارة قبل العقاب أن يقطع الحجة على العصاة، ولهذا قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى تنزيها لذاته عن الظلم: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: 134]. والمعنى أنه لو جاز أن يحاسب الإنسان عما لم يكلف به لانخرمت العدالة وكان لعتابه على من يحاسبه وجه.

(10) وقد طبقت هذه القاعدة بصرامة بالنسبة لطائفة من الجرائم وهي الحدود والقصاص، فقد تعينت أفعالها وتحددت عقوباتها. وقد يظن أن القاعدة انحسرت عن التعازير، اعتمادًا على أنه لا توجد نصوص تفصيلية بشأنها تحدد الأفعال المجرمة والعقوبة المقررة لكل منها، وأن لولي الأمر بناء على ذلك أن يؤدب من يشاء على ما يشاء بما يشاء، فهذا القول فيه إطلاق تأباه مبادئ الشريعة وروحها. والمتفق عليه أنه لا تعزير إلا في معصية، والمعصية هي فعل المحظور أو ترك الواجب. والأمر والنهي يقتضيان نصًا، فلا جريمة إذن بغير نص. وبهذا يسلم شطر القاعدة الأول. أما الشطر الثاني وهو تحديد العقوبة فقد دل العمل على ولاة الأمر لم يكونوا يحرصون على إعلام المخاطبين سلفًا بالعقوبة المقررة لكل معصية. غير أن ذلك لا يعني أن أصول الشرع تحظر عليهم ذلك وتخولهم سلطة العقاب دون سبق نذارة، بل إن روح الشرع توجب النص على العقوبة، لأن هذا هو ما يقتضيه العدل حتى يكون كل امرئ على بينة من أمره، وكي لا يختل ميزان العدل إذا ترك الأمر لمطلق تقدير ولي الأمر في كل حالة على حدة؛ فقد يفضي ذلك إلى اختلاف مصائر المتهمين باختلاف أولي الأمر وما قد يعتريهم من أهواء. ومن هذا نرى أن قاعدة الشرعية مقررة في شطرها الأول في الشرع، وأنها في شطرها الثاني مقررة في طائفة من الجرائم، ولا يتعارض إعمالها في سائر الجرائم مع الشرع، بل إن إعمالها فيه أكثر اتفاقًا مع مقصد العدل.

(11) ويتفرع عن مبدأ الشرعية مبدأ آخر هو عد الرجعية، وهو مقرر كذلك في الشريعة الإسلامية، ويعتمد في أساسه على العدل؛ فالعدل يأبى أن يعاقب شخص عن فعل أتاه أو امتنع عن إتيانه إلا إذا كان ما وقع منه تاليًا لصدور الأمر أو النهي، لأن تكليفه بالامتثال قبل ذلك تكليف لما لا يطاق. فإذا عوقب رغم ذلك كان هذا هو الظلم بعينه. وثمة شواهد من النصوص على ذلك، قال تعالى في سورة النساء بيانًا للمحرمات: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الآية: 22]، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الآية: 23]، فدل ذلك على ما وقع قبل ذلك لا إثم فيه ولا جزاء عليه.

(12) وقد ذهب بعض المحدثين إلى أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تأبى أن يكون للنصوص الجنائية أثر رجعي في بعض الأحوال إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، وعلى الأخص بالنسبة للجرائم الخطيرة التي تمس الأمن العام والنظام العام. واستدل على ذلك بأن الرسول ﷺ أقام الحد على قذفة عائشة رغم أن ما وقع منهم كان سابقًا على نزول آية القذف في سورة النور، وأنه أقام حد الحرابة على العرنيين رغم أن ما وقع منهم كان سابقًا على نزول آية الحرابة في سورة المائدة9. وقد حقق الدكتور محمد سليم العوا الواقعتين وأثبت أن ما وقع من قذفة عائشة كان تاليًا لنزول آية القذف، وأن عقاب العرنيين لم يكن حدًا، بل كان تعزيرًا طبقًا للقواعد العامة التي توجب معاملة الجاني بمثل ما فعل، وذلك عملاً بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ10.

وعندنا أنه إذا اختلف الرأي في مثل هذه الأحوال ولزم الترجيح فيجب أن يكون الرجحان من نصيب الرأي الذي يتفق أكثر من غيره مع مقاصد الشرع، وهو هنا مقصد العدل. ولا شك أن العدل ينخرم إذا جعل للنص أثر رجعي فعوقب الشخص حدًا لعدم امتثاله لحكم شرعي لم يكن قائمًا وقت إتيانه السلوك المحظور، لأن هذا يعني تكليفه بما لا يطاق، وهو العلم بما كان غيبًا في ذلك الوقت.

ونشير في هذا المقام إلى خطورة القاعدة التي صاغها الرأي المخالف، وهي إجازة رجعية النص الجنائي كلما اقتضت ذلك المصلحة العامة خروجًا على الأصل المقرر، وهو حظر الرجعية. فهذا الرأي يفتح باب الشر واسعًا للحكام الظلمة للالتفاف حول أحكام الشرع بدعوى المصلحة. وإذا كان الله – وهو أعدل العادلين – يتنزه عن عقاب عباده قبل أن ينذرهم، فكيف نبيح لغيره ما حرمه الله على نفسه! ولهذا فنحن نرى أن عدم رجعية النصوص المجرمة أصل مطلق في الشرع لا يقبل الاستثناء في أي حال.

ثانيا: مناط المسؤولية

(13) المسؤولية عبء لا يقوى كل شخص على حمله، وإنما يحمله من كان أهلاً لذلك، ولهذا فليس بمستبعد أن يقع الفعل المؤثم من شخص ثم لا يسأل عنه، لأن التلازم غير مطرد بين ارتكاب الجريمة وتحمل عقوبتها. وإذا كان العدل يقضي بعقاب الجاني، فهو يقضي في الوقت نفسه بأن يكون الجاني أهلاً لأن يسأل عن أفعاله. ولهذا فاستحقاق العقاب لا يرتهن فقط بارتكاب الجريمة، بل يرتهن كذلك بكون الجاني أهلاً لتحمل المسؤولية. ومناط المسؤولية في القانون الوضعي هو التمييز وحرية الاختيار. وقد قننت ذلك المادة 62 من قانون العقوبات المصري فنصت على أنه لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل.

والأمر كذلك في الشريعة الإسلامية؛ فمناط التكليف فيها هو العقل والاختيار. وضابط العقل فيها هو البلوغ والسلامة من الآفات العقلية، وضابط الاختيار حرية الإرادة والقدرة على الامتثال. ولهذا لا يسأل الصغير الذي لم يبلغ الحلم لعدم اكتمال عقله، ولا يسأل المجنون لزوال عقله، ولا يسأل المجنون لزوال عقله، ولا يسأل من أتى فعلاً محظورًا نتيجة إكراه تعرض له فأعطب إرادته أو عطلها لعدم اختياره. ذلك لأنه لا يكفي للعقاب إتيان مادة الفعل أو صورته، بل العدل يأبى عقاب من كان وقت ارتكاب الفعل فاقد العقل أو الاختيار.

(14) وقد يصاب الشخص بآفة تضعف لديه القدرة على الإدراك أو الاختيار دون أن يصل الضعف إلى حد الفقد التام. وبعض التشريعات الوضعية تعتبر هذا الضعف عذرًا يخفف العقاب، وبعضها يغفل شأنه ويعامل الجاني معاملة الشخص السوري. ويرى بعض المحدثين أن أصول الشريعة الإسلامية لا تسمح بالأخذ بفكرة التخفيف إلا في الجرائم التعزيرية، أما جرائم الحدود والقصاص فلا يصح فيها تخفيف العقوبة ولا استبدال غيرها بها لخطورة هذه الجرائم واتصالها الشديد بحياة الأشخاص وأمن الجماعة ونظامها11. ولدينا أن هذا الرأي محل نظر في شقة الأخير؛ فالمتداول على ألسنة الفقهاء أن الحد والقصاص عقوبة محضة فيستدعي جناية محضة، ويقصدون بهذا أنه لا ينبغي أن تخالط الجناية شبهة، فإن خالطتها درئت العقوبة. ولا شك أن ضعف الإدراك شبهة تلحق بالفاعل فتخل بكمال الشروط اللازمة لإيقاع العقوبة عليه. ولهذا فالراجح لدينا أن الحد والقصاص يندرئان في هذه الحالة – عدلاً – وإن كان ذلك لا يحول دون تعزير الفاعل بالعقوبة الملائمة.

ثالثا: العلم شرط لاستحقاق العقاب

(15) ينقسم العلم من حيث محله عند فقهاء القانون الوضعي قسمين: علم بالقانون وعلم بالواقع. أما الأول فمفترض في جانب المخاطبين كافة لمجرد نشر القانون في الجريدة الرسمية، فلا يعذر أحد لجهله به، ولهذا فالعلم الحقيقي به والجهل سواء. وأما العلم بالواقع فلا يفترض، غير أنه لا يدخل في نظرية المسؤولية الجنائية، بل يدخل في نظرية الركن المعنوي للجريمة. ولذلك فإن أثره يختلف باختلاف نوع الجريمة؛ فإن كانت عمدية فالجهل بالواقع ينفي القصد الجنائي، أما إن كانت غير عمدية فإن الجهل بالواقع لا ينفي الركن المعنوي إلا إذا استحال نسبة التقصير في تحصيل الواقع إلى الفاعل، إذ ينتفي الخطأ عندئذ في جانبه.

(16) وهذا التقسيم نفسه سبق إليه فقهاء الشريعة؛ فالعلم عندهم ينقسم إلى علم بالحكم الشرعي وعلم بالعين أي بالواقع. ويبدو مقصد العدل واضحًا فيما قدموه من حلول لمشكلة الجهل بالأمرين، وهو ما يفسر وجه الخلاف بينهم وبين فقهاء القانون الوضعي في بعض الأمور.

(17) ويرى فقهاء الشريعة أن العلم بالحكم شرط للتكليف، لأن تكليف من يجهل الحكم الشرعي بالامتثال له تكليف بما لا يطاق، وهو لا يستقيم مع عدل الله. يقول ابن حزم: اختلف الناس فيمن لم يبلغه الحكم الوارد من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في الشريعة في خاص منها (أي في حكم بعينه) أو في جميعها: فقالت طائفة: كل أحد مأمور ومنهي ساعة ورود الأمر أو النهي، إلا أنه معفو عنه غير مؤاخذ بما لم يبلغه من الأمر والنهي، وقالت طائفة إن الله تعالى لم يأمر قط بشيء من الدين إلا بعد بلوغ الأمر إلى المأمور، وكذلك النهي ولا فرق، وأما قبل انتهاء الأمر أو النهي إليه فإنه غير مأمور ولا منهي. ويقول: وبهذا نقول لقول الله عزَّ وَجَلَّ: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾، ولقوله: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾. ثم يقول: فصح أنه لا نذارة إلا بعد بلوغ الشريعة إلى المنذر، وأنه لا يكلف أحد ما ليس في وسعه، وليس في وسع أحد علم الغيب في أن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه، فصح يقينًا أن من لم تبلغه الشريعة لم يكلفها12. والخلاف الذي أشار إليه ابن حزم نظري بحت؛ فالفقهاء – مع اختلافهم – متفقون على أنه لا عقاب على من سلك على خلاف الأمر أو النهي إذا ثبت جهله بالأمر أو بالنهي. وإنما كان اختلافهم فيما إذا كان الفاعل في هذه الحال مكلفًا سقط الجزاء عنه لعذر الجهل، أو أنه لم يكلف ابتداء لعدم بلوغ الأمر أو النهي إليه، ولذلك فهم مجمعون على أن من جهل تحريم الزنا أو شرب الخمر لا حد عليه إن زنا أو شرب. ويروى أن رجلاً تضيف أهل بيت باليمن فأصبح يخبر الناس أنه زنى بربة البيت، فكتب إلى عمر رَضِيَ الله عَنْهُ، فقال عمر: إن كان يعلم أن الله حرم الزنا فحدوه، وإن كان لا يعلم فعلموه، فإن عاد فحدوه.

على أن الجهل المعتبر في نفي التكليف هو الجهل بالحكم الشرعي وحده، أي الجهل بالتحريم. فأما إن علم التحريم وجهل جزاء مخالفته فإن الجزاء لا يسقط عنه. وليس في هذا إخلال بمقصد العدل، إذ كان على المكلف – كما يقول الفقهاء – وقد علم بالتحريم أن يمتنع عن إتيان الفعل المحرم، فإذ لم يفعل فإنه يكون عاصيا جديرا بالعقاب. والحق أن العلم بنوع العقوبة ومداها لا اعتبار له في هذا المقام، لأنه إذا كان التحريم من خطاب التكليف، فإن استحقاق المكلف للعقاب عند مخافة التحريم هو من خطاب الوضع، فلا يلزم علم المكلف به. وهذا تطبيق لقاعدة فقهية حاصلها أن من علم تحريم شيء وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك.

(18) هذا عن الجهل بالحكم الشرعي، والأمر كذلك بالنسبة للجهل بالعين؛ فالمتفق عليه لدى الفقهاء أنه إذا قام الجهل في جانب الفاعل وكان محله ركنًا أو شرطًا لازمًا لثبوت التحريم فلا عقاب على الفاعل. وهذا ما يقتضيه العدل، لأن من أتى الفعل بحسن نية ليس كمن أتاه وهو على بينة من أمره وإن حقق كلاهما بفعله نفس المفسدة. ذلك أن الثاني آثم أما الأول فغير آثم، فلا ينبغي التسوية بينهما في مجال العقاب، إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ولهذا قال الفقهاء: إن زفت إليه غير زوجته وقيل هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه، وكذلك إذا دعا زوجته فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك لعماه. وقال الفقهاء إذا شرب ما ظنه ماء أو دواء ثم ظهر أنه مسكر فلا حد عليه.

على أن الجهل بالعين إذ حال دون العقاب في الجرائم العمدية بإطلاق، كالحدود والقصاص، فإنه لا يحول دون التعزير في الجرائم غير العمدية ما لم يثبت أن الفاعل كان معذورًا في جهله، وأنه لم يأل جهدًا في تحري حقيقة الواقع، وأن الشخص العادي كان قمينًا أن يقع فيما وقع فيه لو أنه وجد مكانه. أما إذا كان الجهل ناشئًا عن خفة ورعونة أو عن تقصير وإهمال، فهذا الجهل لا يعفي من عقوبة التعزير، وإن كان العدل يوجب أن تكون هذه العقوبة أدنى من عقوبة من توفر العلم في جانبه، لأن الجهل والعلم لا يستويان واقعًا فلا يستويان حكمًا.

رابعا: شخصية المسؤولية

(19) هذا المبدأ من تجليات مقصد العدل. وربما بدا هذا المبدأ للفكر المعاصر من البديهيات التي تستغني عن التعليل والبرهان. غير أنه لم يكن كذلك فيما مضى، بل وإلى عهد قريب. فقد كانت بعض النظم القانونية لا تستنكف أن يمتد العقاب إلى غير الجاني، فكانت تجير فضلاً عن عقابه عقاب أفراد أسرته، وأحيانًا كل عشيرته، سواء كانوا ضالعين معه في الجريمة أو غير ضالعين، عالمين بفعلته أو غير عالمين، وسواء كان لهم عليه سلطان أم لم يكن. ولا شك أن هذا كان يتنافى مع العدل، لأن العدل يأبى امتداد العقاب إلى غير من أجرم. وقد أقرت الشريعة الإسلامية هذا المبدأ، والنصوص في شأنه تترى. من ذلك قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الآيتان 134 و141]، وقوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الآية: 164]، وقوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة الطور: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الآية: 21]، وقوله ﷺ لأبي رمثة حين رآه مع ابنه: «أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه».

وتدل نصوص القرآن على أن هذا المبدأ لكونه من الفطرة فهو ليس من خواص الدين الإسلامي وحده، بل هو من خصائص شرع الله أيا كان الرسول المبلغ. قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 36 – 38].

(20) وقد توحي بعض النصوص بعدم اطراد هذا المبدأ وبجواز معاقبة الإنسان في بعض الأحوال عن إثم لم يقع منه، بل وقع من غيره. غير أن هذا الوهم لا يلبث أن يزول، إذ يتضح عند التأمل أن العقاب لم يكن بسبب فعل الغير، بل كان بمناسبته، وإنما وجب العقاب من أجل فعل آخر أتاه من استحق العقاب. من ذلك قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78 – 79]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]. وليس في هذه الآيات وغيرها مما هو من قبيلها دليل على انخرام مبدأ شخصية المسؤولية، لأن العقاب فيها كان إما عن ارتكاب ذات المنكر أو على عدم التناهي عنه، وهو منكر بدوره.

(21) ومما يدل على أن امتداد العقاب إلى غير من أجرم يصادم الفطرة ويتنافى مع عدل الله ما ورد على لسان موسى عَلَيْهِ السَلاَم في سورة الأعراف: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الآية: 155]. وربما سبق إلى ظن موسى عَلَيْهِ السَلاَم في لحظة دهشة وذهول أن ما أصاب من معه كان بسبب اتخاذ بعض قومه من حليهم عجلاً جسدًا له خوار عبدوه من دون الله، أو بسبب قول فريق منهم أرنا الله جهرة، ولم يكن الأمر كما تبادر إلى ظنه. وينزه بعض المفسرين موسى عَلَيْهِ السَلاَم من هذا الظن، وينفون حمل سؤاله محمل التعجب، إذا لا يخفى عليه أن الله لا يهلك أحدًا بذنب غيره، ويؤولون سؤاله على أنه من باب الدعاء، أي لا تهلكنا، وذلك على غرار ما ورد في ختام سورة البقرة على لسان المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [الآية 286].

خامسا: المساواة

(22) من المعلوم أن القواعد التشريعية كلها – وضعية كانت أو شرعية – هي قواعد عامة، أي أنها تسري على كل من تتوافر فيه شروطها. والشروط التي وضعتها الشريعة الإسلامية لانطباق أحكامها شروط مجردة لا تميز إنسانًا على إنسان بسبب جنسه أو أصله أو لغته أو مكانته أو حتى بسبب دينه. وإنما هي تساوي في المعاملة بين الناس جميعًا.

ومبدأ المساواة يضرب بجذوره في الشريعة ويتغلغل في عامة أحكامها. ويرجع هذا إلى سبب جوهري صرحت به النصوص كثيرًا، وهو وحدة الأصل الإنساني؛ فلا يستقيم مع عدل الله وقد خلق الناس جميعًا من أب وأم واحدة أن يفضل بعضهم على بعض بحكم خلقته أو انتمائه إلى أسرة أو جماعة معينة فيقرر له حقوقًا يحجبها عن غيره. وإنما يتفاضل الناس لديه بأعمالهم، سواء في الدنيا أو في الآخرة. والنصوص التي تقرر مبدأ المساواة لا تحصى كثرة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وقال ﷺ في خطبة الوداع: «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، وكلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب». ووصف ﷺ الناس بأنهم «سواسية كأسنان المشط» وقال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ولما تولى أبو بكر الخلافة خطب الناس فقال: «القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي حتى آخذ له حقه». ويحفظ التاريخ قصة عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص وجبلة بن الأيهم، فقد ضرب محمد بن عمرو بن العاص مصريًا زاعمًا أنه ابن الأكرمين، فشكاه المصري إلى عمر فاستدعى عمرا وابنه وقال للمصري: «دونك الدرة فاضرب بها ابن الأكرمين»، وقال لعمرو مغضبًا: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. أما جبلة بن الأيهم فكان من ملوك بني غسان بالشام، ولما أسلم قدم على عمر في رهط من قومه، وفيما هو يطوف بالكعبة وطئ أعرابي رداءه فلطمه، فشكاه الأعرابي، فأمر عمر جبلة بأن يرضي الأعرابي أو يقيده منه، وعز على جبلة أن يتساوى بالأعرابي فيلطمه كما لطمه، فهرب ولحق بأرض الروم وتنصر، ولم يعبأ عمر بذلك، ولو أنه تمكن منه لأنفذ فيه قضاءه.

(23) قد يبدو للناظر في بعض الأحكام أنها تنطوي على تفاوت في المعاملة بين الناس يخل بمبدأ المساواة. غير أنه يبين عند التحقيق أنه ليس فيها تمييز فئة عن فئة ولا تفضيل إنسان على إنسان، وإنما يرجع التفاوت إلى اختلال بعض الشروط المعتبرة في الحكم الشرعي. أما القاعدة المطردة في الشريعة الإسلامية فهي المساواة في المعاملة عند التساوي في العناصر الفاعلة. وهذه القاعدة هي ما تقتضيه شريعة تجعل العدل من أبرز مقاصدها، إذ لا يستقيم ميزان العدل إذا تميز إنسان على غيره دون أن يكون لتميزه سبب يقره العقل وتطمئن له النفس وتقبله مبررًا للتميز.

على أن التفاوت في الجزاء عن الفعل الواحد قد يقع لا على وجه المحاباة بالتخفيف عن الفاعل – وهو محظور –، بل من باب النكير عليه لوجوده في حال كانت تفرض عليه التنزه عن إتيان ما وقع منه. فالنعمة التي يخص الله بها بعض عباده توجب عليهم أن يكونوا أكثر التزامًا بأوامر الشرع ونواهيه، وتقتضي – عدلاً – أن تكون عقوبتهم عند المخالفة أشد من عقوبة غيرهم، لأن إثمهم يكون أكبر من إثم غيرهم. والإثم لا يقاس بالمفسدة التي أحدثها الفعل فحسب، بل بها وبحال الفاعل أيضًا، وهذا منتهى العدل، ليكون أصل العقاب مقابل المفسدة وتكون الزيادة فيه مقابل جحد النعمة. وهذا ما تدل عليه نصوص الشرع؛ قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة الأحزاب: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الآية: 30]. وهو ما تقرر بالنسبة للزاني المحصن، إذ كان تغليظ العقاب عليه مقابلاً لنعمة الإحصان.

(24) وربما كان اختلاف الدين من الشبهات التي تلقي ظلاً كثيفًا من الشك حول عموم مبدأ المساواة في الشريعة الإسلامية. ذلك أن أحكامها لا تسوي بصفة مطلقة بين المسلمين وغير المسلمين في الحقوق والواجبات. ولو صحت هذه الشبهة لانخرم مقصد العدل فلم يكن من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وهو ما لا نسلم به. ومما يدحض هذه الشبهة أن إسلام المؤمنين به لا يكتمل إلا إذا آمنوا برسل الله السابقين بالكتب التي أنزلت إليهم. واعترف الإسلام بالأديان السابقة هو اعتراف بوحدة الدين، وهذا الاعتراف ينفي أن تميز الشريعة الإسلامية بين الناس في الحقوق والواجبات لمجرد اختلافهم في الدين. ومن هنا كانت القاعدة أن لغير المسلمين ما لنا وعليهم ما علينا. ويقول السرخسي إنهم قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال المسلمين وحقوقهم. ولهذا فإن لغير المسلمين في الدولة الإسلامية أن يباشروا التصرفات التي تسمح بها شرائعهم ولو كانت تتعارض مع ما تقضي به الشريعة الإسلامية كالتعامل في الخمر وتربية الخنازير، ويضمن المسلم قيمة خمر الذمي وخنزيره إذا أتلفه. وليس صحيحًا أن من أصول الإسلام أن يعامل غير المسلمين في الدولة الإسلامية بذلة وصغار. وإذا كنا نجد في بعض المؤلفات ما يرشح لهذه التهمة فإنها ثمرة تأويلات خاطئة دعت إليها ظروف تاريخية معينة، لكنها بيقين ليست من صحيح الدين. ولا نود الخوض في تعقب تلك التأويلات أو الممارسات الخاطئة حتى لا نخرج على موضوع البحث. وحسبنا أن نشير هنا إلى أقوال الفقهاء في مدى جواز قتل المسلم بالذمي. يقول ابن رشد في بداية المجتهد: اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال، فقال قوم: لا يقتل مؤمن بكافر، وقال قوم يقتل به، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى، وقال قوم لا يقتل به إلا أن يقتله غيلة، وذلك بأن يضجعه فيذبحه وبخاصة على ماله. وذكر أن أصحاب أبي حنيفة اعتمدوا في ذلك آثارًا، منها أن رسول الله قتل رجلاً من أهل القبلة برجل من أهل الذمة، وقال أنا أحق من وفى بعهده، وروي ذلك عن عمر. واعتمدوا كذلك على القياس فقالوا إن إجماع المسلمين على أن يد المسلم تقطع إذا سرق مال الذمي، وتساءلوا: إذا كانت حرمة ماله كحرمة ماله كحرمة مال المسلم، فحرمة دمه كحرمة دمه13. ولنا أنه إذا تساوت أدلة الفقهاء المختلفين، فإن مبدأ المساواة يصلح أن يكون مرجحًا لرأي الأحناف. ويروى أن جنازة مرت على رسول الله وكان جالسًا فوقف، فقيل له إنها جنازة يهودي فقال: أليست نفسا! وهذا دليل على أن نفوس البشر كلها تتكافأ، وأن حرمة أي نفس كحرمة كل نفس.

(25) واختلف الفقهاء في مقدار دية غير المسلم. فذهب الأحناف إلى أن قدر الدية لا يختلف بالإسلام والكفر، ولذلك فدية الذمي والحربي والمستأمن كدية المسلم. وروي أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر قضوا في دية أهل الكتاب بدية المسلمين. وهذا قول ابن مسعود وجماعة يعتد بهم من الفقهاء. أما الأئمة الثلاثة فيرون أن دية الكتابي على النصف من دية المسلم. وحجة الأحناف قول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، فقد أطلق سبحانه تَبَارَكَ وَتَعَالَى القول بالدية في جميع أنواع القتل من غير فصل، فدل أن الواجب في الكل على قدر واحد14.

وقد أشرنا من قبل إلى أنه إذا اختلف الرأي وتعارضت الأدلة وجب ترجيح الرأي الذي يكون أكثر اتفاقًا مع مقاصد الشرع. ولما كانت النفوس تتكافأ فكذلك أبدالها، ولهذا فالأصح في اعتقادنا أن دية غير المسلم يجب أن تكون مثل دية المسلم. وهذا ما يوجهه كثير من المحدثين، فقد ذكر الشيخ محمود شلتوت أن نظرية اتحاد قدر الدية بالنسبة إلى جميع الناس مبنية على أن الدية في مقابل الدم فقط، والناس في نظر الشريعة من هذه الحيثية سواء.

ونقل عن الشيخ محمد عبده أن الواجب في قتل المعاهد الذمي هو كالواجب في قتل المؤمن15. ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن الحق في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنفية من التسوية بين الدماء المعصومة16.

(26) وربما ثارت شبهة كذلك في مدى مساواة المرأة بالرجل، لما هو ثابت من اختلافهما في بعض الأحكام الشرعية كالشهادة والميراث. وقد أفاض كثيرون في تعليل هذا الاختلاف، وليس من شأننا هنا الخوض فيه. لكن الذي يعنينا أن نقول بوجه عام إن اختلاف المرأة عن الرجل في بعض الأحكام ليس دليلاً على أنها في نظر الشرع أدنى من الرجل، وإنما يرجع الاختلاف إلى اعتبارات موضوعية يقرها العدل، بل يفرضها فرضًا. وليس من المقبول عقلاً أن تتهم الشريعة الإسلامية بالتحيز للرجل ضد المرأة لا لشيء إلا لأنه ذكر وأنها أنثى. ولو صح أن الشريعة تنتصر للرجل على حساب المرأة لأبقت على الأحكام الظالمة التي كانت تنال من حقوقها بل من إنسانيتها في الجاهلية. ولا يمكن للناظر في كتاب الله أن يقبل مثل هذه الدعوى. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195].

ولا ندري كيف يكون الذكر أفضل من الأنثى وقد ولدته أنثى، وكيف يكون أفضل منها وكلاهما يجزى عند الله عن عمله على وزن واحد. ولهذا فقد اتفق عامة أهل العلم على أن الذكر يقتل بالأنثى، وقيل إنه إجماع.17

ويقول الشيخ محمود شلتوت إن دم المرأة مساو لدم الرجل، والحكم فيهما واحد، وهو القصاص، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، ويشير إلى أن الجزاء الأخروي في الاعتداء على حياة المرأة من نوع الجزاء في الاعتداء على حياة الرجل، ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]، ويذكر أن الله رتب الجزاء الأخروي على وصف الإيمان، وهو مشترك بين الرجل والمرأة. ويدفع الشيخ شلتوت شبهة ثارت من ظاهر قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾ [البقرة: 178]، ويقول إن البعض قد يزعم أن الرجل لا يقتل بالأنثى، ويرد على ذلك بأنه لو صح هذا القول لكان مقتضاه أن الأنثى لا تقتل بالرجل وأن الحر لا يقتل بالعبد ولا العبد يقتل بالحر، وهو ما لا يمكن التسليم به. ويذكر علة نزول الآية فيقول إنه قصد بها إبطال ما كان عليه العرب من الإسراف في القتل وعدم اتخاذ القصاص فيه أساسًا للجزاء، إذ كانوا لا يكتفون بالقصاص من القاتل إن كان عبدا، بل يقتلون سيدًا من سادته، ولا يقتلون المرأة إن كانت هي القاتلة، بل يقتلون رجلاً من قبيلتها.18

(27) واختلف الفقهاء في دية المرأة وهل هي مثل دية الرجل أو على النصف منها. ومذهب الأكثرين أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحجتهم أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك، وأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل. وذهب أبو بكر الأصم وابن علية إلى أن دية المرأة مثل دية الرجل، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. والإجماع على أن هذه الآية يدخل فيها الرجل والمرأة، فوجب أن يكون الحكم فيهما ثابتًا بالسوية. وقد عرض الشيخ أبو زهرة للرأيين ورجح الثاني، وعلل بأن النصوص التي اعتمد عليها الرأي الأول أكثرها أخبار آحاد والتوفيق بينها ممكن، ولا يمكن ترجيح خبر على خبر، وأن الآية صريحة في عموم أحكام الدية في القتل الخطأ.19

وإذا كان الأئمة الأربعة متفقين على أن دم المرأة في القصاص كدم الرجل، وأن كلا منهما يقتل بصاحبه، فمن التناقض القول بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل، لما هو معلوم من أن الدية بدل النفس، ومقتضى المنطق أن تكون ديات النفوس المتكافئة متكافئة. أما قياس دية المرأة على شهادتها وميراثها ففيه بعد، لأن لكل من الحكمين علة معقولة المعنى لا وجود لها في قضية الدية. وإذا لم يكن من القياس بد فإن قياس الدية، وهي بدل النفس، على القصاص، وهو إتلاف نفس، أولى من قياسها على الشهادة والميراث، ودلل على أن حكم المرأة فيهما ليس مبنيًا في الإسلام على أن إنسانيتها أقل من إنسانية الرجل، وإنما هو مبني على أسباب أخرى بينها تفصيلاً20والخلاصة أنه إذا تساوى اثنان في الشروط الموجبة للحكم، فالعدل يوجب التسوية بينهما في ذات الحكم، ومن ثم فالرأي الذي يستقيم مع أصول الشريعة هو أن دية المرأة كدية الرجل.

سادسا: التناسب بين الجرم والعقاب

(28) التناسب بين الجرم والعقاب في الشريعة الإسلامية فرع من أصل عام، هو التناسب بين الفعل وجزائه، عقابًا كان أو ثوابًا، وهو مقتضى العدل، لأن اختلال التناسب بين الفعل وجزائه غبن وظلم. ولما كان العدل مركوزًا في فطرة الإنسان فقد تعارف الناس على أن العقوبة العادلة هي التي يسغيها العقل والمنطق وتطمئن إليها النفوس ويتقبلها الناس بالرضا والتسليم. وقد حرصت الشرائع الوضعية بوجه عام على مراعاة التناسب بين الجرائم وعقوبتها، فنراها ترصد أغلظ العقوبات لأخطر الجرائم، وتعاقب الجرائم الهينة بما دون ذلك. ودل العمل على أن المشرع إذا شذ عن ذلك فقرر عقوبة مغلظة لجريمة هينة أو عقوبة هينة خطيرة انفرط عقد الأمن في المجتمع، إذ يتعاطف الناس في الحالة الأولى مع الجاني، وقد يعمدون إلى الامتناع عن الإبلاغ عن جريمته أو الشهادة ضده، بل إن القضاء نفسه قد يحتال لتفادي عقابه، وذلك بإظهار الشك في أدلة الاتهام. أما في الحالة الثانية فربما استهان الناس بالعقوبة فلم تصدهم عن مقارفة الجريمة، وبهذا تغدو العقوبة عاجزة عن تحقيق غرضها. وإنما يستقيم الميزان ويستقر الأمن بالعدل وحده، أي بمراعاة التناسب بين الجريمة وعقوبتها، وهو ما تعبر عنه المحكمة الدستورية العليا في مصر بمعقولية العقوبة.

وإذا كان هذا هو الشأن في قوانين البشر، فأولى أن يكون كذلك في شرع الله. غير أنه لما كان الشارع هو الرب، فإنه لا يجعل الجزاء في كل أحواله محكومًا بالعدل وحده، بل يجعله كذلك محكومًا بالفضل، وهو ما يجاوز العدل. ولهذا فهو يعاقب المسيء بما يوجبه عدله، ويثيب المحسن بما يقتضيه فضله. والآيات في هذا الشأن تترى. قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160]، ودل بهذا التذييل على أن الزيادة عما يقتضيه العدل ظلم يتنزه عنه سبحانه.

(29) ولكي يتحقق معنى العدل في عقوبته يجب أن يتناسب في نوعها ومقدارها مع طبيعة المفسدة ومداها من جهة، وأن يراعى فيها حال الجاني وملابسات الجريمة من جهة أخرى. ذلك أنه لما كانت المفاسد تتفاوت نوعًا ومدى، فلا ينبغي التسوية بينهما في العقاب، ولما كانت أحوال الجناة تختلف فليس من العدل أن يسوى في المعاملة بين غير المتساوين.

ولا خلاف لدى فقهاء الشريعة في وجوب التزام هذين الضابطين في مجال التعزير، وهي الجرائم التي لم تحدد لها الشريعة عقوبة معينة، أو حددت لها عقوبة لكن لم تتوافر شروط استحقاقها. يقول ابن القيم: اتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد بحسب الجناية في العظم والصغر، وبحسب الجاني في الشر وعدمه. واختلف العلماء بعد ذلك فيما إذا كان يجوز التعزير بما يزيد عن عقوبة الحد. فيرى الأحناف أنه إذا تعلق الأمر بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد فالتعزير فيها متروك أمره إلى الإمام، فهو يحدد نوع العقوبة وقدرها، على أن يراعي في ذلك ظروف كل شخص ليكون التعزير أفعل في الزجر. أما المالكية فيرون أن الأمر في التعزير مفوض للإمام مطلقًا، وهو يراعي فيه طبيعة الجناية وحال الجاني والمجني عليه وسائر الظروف والملابسات. وإذا أدى اجتهاده إلى أن يعزر بما يزيد عن الحد فله أن يفعل ذلك ولا ضمان عليه ولو أدى إلى هلاك النفس. ورأي الحنابلة قريب من ذلك، وإن تحفظ بعضهم على التعزير بالقتل وأخذ المال. أما الشافعية فلا يجيزون التعزير بالقتل ولا بالضرب بما يجاوز الحد، لكنهم يجيزون التعزير بالحبس. ويقول الشيخ شلتوت إنه يتضح من أقوال الفقهاء أن التعزير مجال واسع أمام الحاكم يؤدب به من شاء على ما شاء غير مقيد في العقوبة بشيء، لا في نوعها ولا في كمها ولا في كيفيتها ما دام رائده النظر والمصلحة وقصد الردع والتأديب وإقرار الحق والعدل.

والحق أن فكرة العدل هي التي تحد من الغلو في العقوبة ومن التهاون فيها. والسائد لدى فقهاء الشريعة – ولدى فقهاء القانون الوضعي أيضا – أن الغرض من العقوبة هو زجر الغير عن ارتكاب الجريمة وزجر الجاني نفسه عن الإقدام عليها ابتداء وعن العودة إليها مرة أخرى. ولو أن العقوبة تجردت من فكرة العدل لجاز القول بأن الإفراط فيها أدعى إلى تحقيق الغرضين على الوجه الأمثل، لكن فكرة العدل هي التي تضبطها وتقف بها عند حد الاعتدال.

(30) وتبدو فكرة العدل واضحة في القصاص بجلاء، وعلى الأخص في القصاص في النفس. فالأصل في القصاص التماثل، حيث المقاصة بين القاتل ونفس القتيل. ولأن النفوس تتكافأ فلا تفضل نفس نفسًا لاعتبار يتصل بالجنس أو العرق أو بالسن أو بالمكانة الاجتماعية أو بالحالة الصحية، فإن من قتل غيره يستحق –عدلاً – أن يقتل به. والقصاص عند الفقهاء هو إيقاع عين الأذى بالجاني، فقط من حيث محله، بل ومن حيث وسيلته أو أداته أيضًا إلا أن يحول دون ذلك مانع شرعي. وقد اقتضت فكرة العدل مع ذلك الاعتداد بحال معينة من أحوال الجاني، وهي موقفه النفسي وقت ارتكاب فعل القتل، وهل تعمد إزهاق روح المجني عليه أو أحدث الوفاة خطأ. ذلك أن القصاص بمعناه الدقيق لا يقتضي المماثلة في الفعل وحده، بل يقتضيها فيه وفي القصد أيضا. فإذا كان الجاني لم يتعمد قتل المجني عليه عدوانًا، فلا يجوز لولي الدم ولا لولي الأمر أن يتعمد قتله قصاصًا، لأن اختلاف القصد في الحالتين يذهب بمعنى القصاص. ولهذا قضت الشريعة الإسلامية بالقصاص في القتل العمد وبالدية في القتل الخطأ، وهو منتهى العدل، قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، وبين العلة فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [الآية: 179]. وقال تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة النساء: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [الآية: 92]، فدلت المغايرة على أن القصاص لا يثبت إلا عند تعمد القتل.

(31) أما القصاص في الجروح ففيه مقال، سواء من حيث مشروعيته، أو من حيث شروطه عند القائلين به.

أما من حيث مشروعيته فليس هناك نص واضح في القرآن ولا حديث قطعي الدلالة في السنة على تقرير القصاص في الجروح. وقد عرض الشيخ محمود شلتوت للنصوص الخاصة والعامة الواردة في هذا الشأن وانتهى إلى أنها غير حاسمة في إيجاب القصاص فيما دون النفس. ووقف بوجه خاص عند قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [الآية: 45]. وذكر أنها وردت حكاية عما فرضه الله على بني إسرائيل في التوراة، وأشار إلى الخلاف المعروف عند علماء الأصول بشأن شرع من قبلنا ومدى اعتباره شرعا لنا، ونقل عن جمهور الشافعية والأشاعرة والمعتزلة وعن الرازي والآمدي أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. وخلص إلى القول بأن للباحث أن يساير هؤلاء، ولا يقبل هو أيضًا أن تكون آية المائدة مصدر تشريع القصاص فيما دون النفس. كما عرض للآيات العامة ولحديث ورد في كتب الصحاح في هذا الشأن، وانتهى إلى أنها جميعًا لا تصلح عند كثير من الأصوليين للاستدلال بها على مشروعية القصاص فيما دون النفس. لكنه مع ذلك يرى أن لهذا القصاص مصدرًا آخر يعتد به، وهو الإجماع21.

ب - وأما عن الشروط اللازمة لاستيفاء القصاص فيما دون النفس فالملاحظ أن الفقهاء جميعًا يتشددون فيها حتى ليصح القول بأن الأصل أصبح منع هذا القصاص والاستثناء إمكانه22. يقول ابن رشد في بداية المجتهد: يشترط في الجرح الذي يوجب القصاص أن يكون على وجه العمد، وأن يكون مما يمكن القصاص فيه، وألا يخشى من القصاص تلف النفس. ولهذا منع القصاص في الجراح التي هي متالف مثل كسر عظم الرقبة والصلب والصدر وما أشبه ذلك. ومنع القصاص كذلك فيما لا يمكن فيه التساوي في القصاص، مثل الاقتصاص من ذهاب بعض السمع أو بعض البصر. ومنع القصاص أيضًا عند عدم المثل، كأن يفقأ أعمى عين بصير. وحكى الخلاف في الأعور يفقأ عين الصحيح عمدًا، وقال من منع القصاص إن عين الأعور بمنزلة العينين، فمن فقأها في واحدة فكأنه اقتص من اثنتين في واحدة23.

وينقل الشيخ محمود شلتوت عن الأحناف أنهم يشترطون للقصاص فيما دون النفس أن تكون الجناية متعمدة وأن يكون الاستيفاء ممكنًا من غير حيف، وأن يكون العضو الذي يجرى القصاص فيه مماثلاً للعضو الذي أصابه الجاني من كل الوجوه، سواء من جهة السلامة والشلل، والكمال والنقصان، والأصالة والزيادة وذلك لانتفاء التماثل؛ فلا قصاص بين عضو وعضو أشل، ولا بين يد كاملة الأصابع وأخرى ناقصتها، ولا بين إصبع أصلية وأخرى زائدة، ولا رجل وامرأة، ولا بين واحد وجماعة. ويرى الأحناف أنه لا قصاص إذا كانت الجروح في غير الوجه والرأس، وأن القصاص في جروح الرأس والوجه لا تكون إلا في واحدة، وهي الموضحة24، فلا قصاص فيما قبلها ولا فيما بعدها، وبشرط ألا يستتبع هذا الجرح جراحة أخرى. وعندهم أنه إذا وقعت الجناية على محل فأحدثت عاهة في غيره لم يجب فيه القصاص. والحالة الثانية التي أجاز الأحناف فيها القصاص هي الجناية على مفصل أو ما يشبه وبالشرط السابق أيضًا. وما عدا ذلك من جروح فالأحناف مختلفون فيها، إما مع بعضهم أو مع غيرهم.25

والفقهاء متفقون على أنه يشترط في القصاص أن يكون ممكنا من غير حيف. ولما كان من العسير تحقق الشروط التي وضعها الفقهاء على صعيد الواقع فقد قلنا إن الأصل يكاد أن يكون هو حظر القصاص فيما دون النفس لتعذر ذلك. والواقع أن المماثلة من كل وجه هي من لوازم القصاص، فإذا استحالت أو تعذرت فات معنى العدل. وقد يرى الناظر في كتب الفقه أن الفقهاء أسرفوا في الفروض للتحقق من توافر المماثلة واستبعدوا القصاص في كثير من هذه الفروض، وربما حملهم على ذلك خشيتهم من إنكار القصاص فيما دون النفس كقاعدة حتى لا يتهموا بمخالفة النصوص. غير أن مقصد العدل مع ذلك تمكن منهم فلم يسعهم إلا إحاطة القصاص بما أحاطوه به من شروط.

وإذا امتنع القصاص فيما دون النفس وجب تحميل الجاني بالدية، ولا يخل ذلك بحق ولي الأمر في تعزيره، لأن الدية في تقديرنا ليست عقوبة، بل هي ضرب من التعويض.

(32) أما الحدود فالشأن فيها مختلف، والكلام في التناسب بين مفسدتها وعقوبتها يثير كثيرا من الجدل، سواء من حيث نوع العقوبة المقررة لها، ومن حيث الأحكام الشرعية التي تنفرد بها. والمعلوم أن عقوبات الحدود مقدرة شرعًا، وأنها لا تقبل التبعيض، فإما أن تجب بتمامها أو لا تجب أصلاً، وقلما تتأثر الحدود بحال الجاني. والملاحظ أن عقوبات الحدود تتفاوت شدة وخفة تبعا لنوع المفسدة التي تنشأ عنها؛ فعقوبة الحرابة أشد من عقوبة السرقة، وهذه أشد من عقوبة القذف ومن عقوبة الشرب عند من يرى شرب الخمر حدًا. غير أن عقوبة الحد الواحد لا تتفاوت بتفاوت المفسدة التي أحدثها. ولهذا سوى الشارع في العقوبة بين من سرق دينارًا ومن سرق ألف دينار، كما سوى بين شارب قطرة من الخمر وشارب جرة منها. وإذا كانت حال الجاني ليس لها من الأثر في جرائم الحدود مثل ما لها في مجال التعزير، فهذا لا يعني أنها عقيم من كل الوجوه. فالحدود كلها لا تقع إلا عمدًا، فإن وقعت أفعالها خطأ لم يقم الحد على الفاعل. كذلك فإن حد الزنا يختلف باختلاف حال الفاعل، فإن كان غير محصن فحده الجلد، وإن كان محصنًا فحده الرجم. وفيما خلا ذلك فإن عقوبة الحد لا تختلف باختلاف حال الجناة، بل هي واجبة وتستوفى كاملة في كل حال.

(33) وقد حاول ابن القيم بيان وجه المناسبة بين عقوبات الحدود ومفاسدها، فذكر أن الله شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس فأحكم وجوه الزجر الرادعة منها غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس. وقال: أما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس، وكانت عقوبته من جنسه، وجعله أيضًا عقوبة الجناية على الفروج المحرمة لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والإفساد العام. وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلاً، وهي عقوبة السارق، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبة الجلد، ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم. أما المحارب فلما كان ضرره أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم فقد ضم إلى قطع يده قطع رجله ليكف عدوانه وشر يده التي بطش بها ورجله التي سعى بها، وشرع أن يكون ذلك من خلاف لئلا تفوت عليه منفعة الشق بكامله. وأما الجلد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض وعلى العقول وعلى الأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يوجب القتل ولا إبانة طرف، إلا الجناية على الأبضاع، فإن مفسدتها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارضتها في البكر شدة الداعي وعدم المعوض، فانتهض ذلك المعوض سببًا لإسقاط القتل، ولم يكن الجلد وحده كافيًا في الزجر فغلظ بالنفي والتغريب ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجره عن المعاودة. وأضاف أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسًا ووصفًا وقدرًا لذهبت بهم الآراء كل مذهب، فكفاهم أرحم الراحمين مئونة ذلك وأزال عنهم كلفته وتولى تقديره نوعًا ومقدارًا ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة.26

(34) ونرى أن ما ذكره ابن القيم لا يخلو من تكلف، وهو أدنى إلى التبرير منه إلى التعليل، وإلا فمن الممكن معارضته في كثير مما قاله. والذي يحسن قوله في هذا المقام أن عقوبات الحدود لكونها مقدرة بالنص، فإنها تلحق من حيث التعليل بالعبادات وسائر المقدرات، بحيث يصح القول بأنها غير معقولة المعنى. نعم هي تتفاوت من حيث جسامتها بتفاوت المفسدة الناتجة عنها، لكنها من حيث النوع والمقدار يتعذر تعليلها عقلاً. وهذا ما لم ينكره ابن القيم حين تحدث عن رحمة الله بالناس فكفاهم مؤونة ترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية ولم يكلهم إلى عقولهم، فدل بذلك على أن إدراك العلة في ذلك قد تستعصى على أفهامهم. وقد تساءل إمام الحرمين: لو زنا محصن واستوجب الرجم ورأى الإمام أن يقتل بالسياط ويحلها محل الأحجار، فهل يجوز ذلك، وأجاب قائلاً: لسنا نرى إقامة السياط مقام الأحجار، فإن الحدود لا تتغير كيفياتها ولا تبدل آلاتها27. وتحدث العز بن عبد السلام عن مفاسد الجرائم التي شرعت عنها الزواجر، وذكر أن مفسدة الزنا الذي استوجب الحد هي اختلاط المياه واشتباه الأنساب وإرغام أنف العصبات والأقارب، ورأى أن هذه المفسدة هي موجب العقاب، ثم نظر إلى عقوبة الزنا – وهي الجلد والرجم – وعقب على اختلافها بقوله: ولم أقف على المفسدة المقتضية لرجم الثيب الزاني، وقد قيل فيها ما لا أرتضيه.28 ويبدو أنه لم يطمئن إلى ما قيل تبريرًا لاختلاف عقوبة المحصن عن عقوبة غير المحصن، ولا من حيث معقولية أصل الاختلاف، بل من حيث التباين الصارخ بين العقوبتين.

(35) ولم يقف الفقه الشرعي جامدًا أمام صرامة طائفة الحدود، بل وضع الفقهاء لها أحكامًا خاصة حرصوا فيها على تحقيق التوازن بين صرامة الحد والمبادئ الكلية للشريعة الإسلامية، وعلى رأسها مقصد العدل. ومن هذه الأحكام حصر الحدود في نطاق الجرائم التي وردت بها النصوص، اعتبارًا بأن عقوباتها مقدرة شرعًا، فوجب أن تكون جناياتها محددة شرعًا، عملاً بقاعدة أن المقدرات الشرعية لا يدخلها القياس. ولهذا يقول الفقهاء إنه لا يجوز قياس فعل قوم لوط على جريمة الزنا، ولا القذف بهذا الفعل على القذف بالزنا، ولا اغتصاب المال على جريمة السرقة. وبرروا حظر القياس بأن العلة التي من أجلها كان الحكم الأصلي وتمييزها من بين سائر الأوصاف لا يعرف على وجه اليقين29.

(36) ومن هذه الأحكام أيضًا تشدد الفقهاء في شروط الحدود تشددًا قد لا يحتمله ظاهر نصوصها. وعلى سبيل المثال فقد اشترط الفقهاء في السرقة الموجبة للقطع أن يكون المسروق في حرز وأن تبلغ قيمته نصابًا مع أن آية المائدة تخلو من الحرز والنصاب، ولهذا فقد أنكر أهل الظاهر هذين الشرطين. أما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على وجوبهما وأسهبوا في تحديد معنى الحرز وبيان أقسامه وشروطه، واختلفوا في مقدار النصاب اختلافًا كبيرًا، كما اختلفوا في الوقت الذي يعتمد به عند حسابه. وأخرج الفقهاء من السرقة المعاقب عليها حدًا طائفة كبيرة من الأموال لم يقطعوا فيها ولو بلغت نصابًا، كالأموال التافهة جنسًا، وما يوجد جنسه مباحًا في الأصل بصورته، وما يتسارع إليه الفساد، وكتب العلم وغيرها.

(37) وتشدد الفقهاء بوجه خاص في إثبات جرائم الحدود تشددًا يوشك أن تكون إقامة الحدود بسببه متعذرة عملاً. ويبدو من جملة أقوال الفقهاء، أن الحد – ومثله القصاص – لا يثبت إلا بأحد الدليلين، هما البينة والإقرار30، وذلك بخلاف التعزير، فإنه يثبت بالبينة والإقرار وبطائفة أخرى من الأدلة، بعضها متفق عليه والبعض مختلف فيه، وهي النكول وشهادة النساء والشهادة على الشهادة وكتاب القاضي وعلم القاضي وقرائن الحال. ويمكن القول – بناء على ذلك – بأن الفقهاء يجعلون القاعدة في التعزير هي حرية الإثبات، أما في الحدود فهي التقيد بأدلة محددة. ويشترط الفقهاء للاعتداد بالإقرار والشهادة شروطًا صارمة، فهم يشترطون في المقر البلوغ والعقل وسلامة الإرادة، وأن يكون إقراره صريحًا في لفظه واضح الدلالة على الحد الذي أقر به، كما يشترطون العدد في الإقرار ببعض الحدود كالزنا، حيث يوجبون أن يقر الزاني أربع مرات. ويجيز الفقهاء لمن أقر أن يعدل عن إقراره فيسقط اعتباره دليلاً. ويثبتون له حق العدول حتى بعد صدور الحكم وإلى أن يتم التنفيذ. ويشترط الفقهاء في الشاهد شروطًا مماثلة، ويضيفون إليها العدالة وسلامة الحواس والإسلام، وألا يكون بينه وبين المشهود عليه عداوة أو ضغينة. بل إن بعض الفقهاء يرى أن الشهادة ترد إذا تقاعس الشاهد عن أدائها زمنًا لغير سبب معقول. ويشترط الفقهاء للتعويل على الإقرار والشهادة أن يكون كلاهما متناهيًا في البيان، بحيث يشمل الماهية والكيفية والزمان والمكان وكل عنصر من العناصر اللازمة لقيام الحد. وفي خصوص الزنا يشترط الفقهاء أن تكون الشهادة بمعاينة فرج الزاني في فرج الزانية، وأن تكون الشهادة بالتصريح لا بالكتابة، وفي مجلس قضاء واحد. وجمهورهم على أنه يجب على الشهود ألا يختلفوا في زمان الزنا ولا في مكانه حتى ولو وقع الزنا في بيت واحد. وإذا نقص عدد شهود الزنا عن أربعة، أو كانوا أربعة ولكن شهادة أحدهم لم تستوف شروطها، أو نكل أحدهم في مجلس القضاء بعد أن شهد الآخرون حد الشهود الثلاثة حد القذف. ولا يصح للقاضي أن يحتال للحصول على الإقرار، بل يستحب له أن يظهر الكراهية له كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع ماعز، فقد أعرض عنه أكثر من مرة عندما أقر له بالزنا. ويرى الفقهاء أن الإمام مندوب لدرء الحد وتلقين المقر الرجوع. روي أن النبي ﷺ أتي بسارق فقال: أسرقت؟ ما إخاله سرق، فقال: نعم، فقال: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه. وروى عن ابن مسعود أنه أتى بسوداء يقال لها سلامة فقال: أسرقت؟ قولي لا، قالوا: أتلقنها؟ قال: أجئتموني بأعجمية لا تدرى ما يراد بها حين تقر فأقطعها. وروى مثل ذلك أيضًا عن أبي الدرداء.

ويستحب الفقهاء لشهود الحد ألا يشهدوا ليندرئ الحد. ويرى الفقهاء توفيقًا بين الاعتبارات المختلفة أن يشهد الشاهدان في السرقة أن هذا متاع هذا من غير أن يذكرا السرقة، لأنهما ندبا إلى الستر من جهة، ونهيا عن كتمان الشهادة التي تبطل حق الغير من جهة أخرى، فكان الطريق الذي يعتدل فيه النظر هو أن يشهدا بلفظ الأخذ دون السرقة ليكون الأخذ مجبرًا على رد العين أو قيمتها، فيصل صاحب المتاع إلى حقه ولا يقام الحد على الآخذ.

(38) وإذا كان المتفق عليه أن الشفاعة لا تجوز في الحدود فإنما يكون ذلك بعد بلوغ الإمام وثبوت الحد لديه بدليله الشرعي. أما قبل بلوغ الإمام فتجوز الشفاعة لدى المجني عليه، بل وتجوز لدى الإمام قبل ثبوت الحد.

(39) ولعل نظام الشبهة من أظهر الأدلة على حرص الفقهاء على الاقتصاد في إيقاع الحد – وكذلك القصاص – على الجاني. وهي باب واسع تمكن الفقهاء من خلاله من درء العقوبة. وعلى الأخص عقوبة القتل والقطع والرجم في أحوال كثيرة رغم توافر شروط إيقاعها ظاهرًا.

(40) واختلف الفقهاء في التوبة ومدى أثرها على عقوبة الحد، فمنهم من قصرها على المحارب قبل القدرة عليه. ومنهم من جعلها شاملة لكل الحدود ومانعة من إيقاع عقوبتها.

(41) ويتضح من الأحكام المتقدمة أن فقهاء الشريعة أدركوا أن الشارع إذ جعل عقوبات الحدود ذات حد واحد وأوجب إيقاعها على كل الجناة في كل حال إذا توافرت شروطها، وإذا كان العدل من مقاصده فقد فهموا من ذلك أنه يحثهم على إعمال العقل لضبط أحكام الحدود ووضع شروط لها تستغرق كل الاحتمالات بحيث إذا توافرت لم تعد الفروق بين الجناة معتبرة، وهذا ما فعله الفقهاء. وإذن فلم يكن مراد الشارع إقامة الحد على كل الجناة رغم اختلاف ظروفهم وأحوالهم، بل كان المراد أن يكون اختلاف هذه الأحوال بعد ضبط أحكام الحدود غير مؤثر في استحقاقهم العقاب.

ملاحظة:
نشر هذا النص في الكتاب التالي:
مقاصد الشريعة وقضايا العصر (مجموعة بحوث)، 2017، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، ص 173- 210.

يرجى الملاحظة بأن بعض الصور المستخدمة في هذه المقالة المنشورة على الموقع قد لا تكون جزءًا من نسخة المقالة المنشورة ضمن الكتاب المعني

مقالات مختارة

إقرأ المزيد

مقاصد الشريعة الإسلاميّة والمحكمة الجنائية الدولية

عوض محمد عوض: أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الإسكندرية محتويات المقال:فكرة المحكمة الجنائية الدولية: نشأتها وتطورهاالجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدوليةالمحكمة الجنائية الدولية في ميزان الشريعة الإسلاميةأولًا:...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد شريعة الإسلام واتفاقيات حظر انتشار الأسلحة النووية

إبراهيم أحمد خليفة : أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي العام- كلية الحقوق- جامعة الإسكندرية محتويات المقال:مكانة شريعة الإسلام في النظام القانوني الدوليمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ومقصد حفظ النفس والمال مكانة شريعة ال...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد القرآن الكريم وأثرها في بناء المشترك الإنساني

عبد الرحمن الكيلاني: أستاذ الفقه وأصوله بكلية الشريعة، الجامعة الأردنية محتويات المقال:مقصد إعمار الأرضمقصد بناء القيم الأخلاقيةالمقاصد الضرورية والحاجية والتحسينيةمقصد التعارف الإنسانيالخاتمة والتوصياتقائمة المراجع الحم...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

التأسيس المقاصدي للمشترك الإنساني

وائل الحارثي: محاضر بكلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة، وباحث دكتوراة بكلية الشريعة بفاس/جامعة القرويين. محتويات المقال:(1) في مفهوم المشترك الإنساني(2) المشترك الإنساني والمصطلحات أو المفاهيم المقاربة (3) أصول المشترك ا...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقصد العدل في القرآن الكريم

محمد سليم العوَّا: مفكر إسلامي وخبير قانوني وهو عضر مجمع اللغة العربية بمصر، والأكاديمية الملكية الأردنية، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي – منظمة لمؤتمر الإسلامي – جدة محتويات المقال:أولا: بين الشاب والشيخثانيًا: ما هو العد...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مَقْصِدُ حِفْظِ اْلَأمْنِ في الْقُرْآنِ الكَرِيمِ

عبد الكريم بن محمد الطاهر حامدي: أستاذ الفقه وأصوله، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة، الجزائر محتويات المقال:المبحث الأول: مفهوم حفظ الأمن والأدلة على كونه مقصدا قرآنياالمطلب الأول: مفهوم حفظ الأمنالمطلب الثاني: الأدل...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقصد الرحمة في السنة النبوية: رحمة الرسول ﷺ بأهل الكتاب أنموذجا

أحمد عزيوي: أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتعليم فاس/ مكناس، المملكة المغربية. محتويات المقال:مقدمةإشكالية البحثأهداف البحثمنهج البحثخطة البحثالمبحث الأول: مفهوما الرحمة وأهل الكتابالمطلب الأول: مفهو...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقصد الرّحمة وتطبيقاته في السنّة النبوية

عبد المنعم الفقير التمسماني: أستـاذ الحديث والفقه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي، تطوان. محتويات المقال:مقدمةمدخلأولا: مفهوم المقاصدثانيا: تعريف «الرحمة»ثالثا: مقصدية الرحمةالمبحث الأول: تأصيل مق...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

الحقوق والحريات في الإسلام

أحمد فرَّاج محتويات المقال:الأمر الأول: إزالة ما علق بالإسلام من تشويهالأمر الثاني: الذي أرى أننا مـدعوون إليه هوالتطوّرالتقويمالحريات في الإسلامالقيود حماية الحق عندما نتحدّث عن حقوق الإنسان وحرياته في الإسلام، نتحدّث ع...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

تنظيم الدفاع عن حقوق الإنسان

محاولة للتأصيل من منظور إسلامي محمد سليم العوّا 1- لا يخطيء من يقول إن «حقوق الإنسان» هي شعار الـربع الأخيرمن القرن العشــرين الميلادي. فـقـد نشطت حـركة الـدفاع عن حقوق الإنسان منذ أواسط السبعينيات من هذا القرن نشاطا فاق...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الشريعة الإسلاميّة وتحفظات الدول الإسلامية على الاتفاقيات الدولية

أحمد عوض هندي: أستاذ قانون المرافعات- كلية الحقوق- جامعة الإسكندرية محتويات المقال:1- مقاصد الشريعة الإسلامية:2- العلاقة بين مقاصد الشريعة وأحكام القانون:3- مفهوم الاتفاقيات الدولية وأثرها:4- ظهور المعاهدات ذات الطابع ال...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الشريعة الإسلاميّة والمحكمة الجنائية الدولية

عوض محمد عوض: أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الإسكندرية محتويات المقال:فكرة المحكمة الجنائية الدولية: نشأتها وتطورهاالجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدوليةالمحكمة الجنائية الدولية في ميزان الشريعة الإسلاميةأولًا:...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقصد الحرية عند الطاهر بن عاشور

محمد سليم العوا بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإننا لو تحدثنا عن مقصد الحرية عند الطاهر بن عاشور منذ شهرين لكان حديثاً مكروراً مُعاداً لا يجد الإنسان له صدى في واقع حياته اليومية...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الشريعة الإسلامية الكلية ومكافحة الإتجار بالبشر

فايز حسن إن أخطر مشكلة بين مجتمعي الشرق والغرب تتمثل في اختلاف الرؤية الأوروبية الغربية لحقوق الإنسان عن الرؤية الإسلامية، وهو المعيار الذي يتم به تصنيف الدول والعلاقات الدولية، ومن أهم هذه الجوانب جانب جريمة قديمة، ولكن...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الحرية في الفقه الإسلامي المعاصر حق التنظيم الحزبي والانتخابات نموذجًا

راشد الغنوشي: مفكر وسياسي إسلامي، زعيم حزب النهضة التونسي محتويات المقال:الحريّة مقصدٌ شرعيٌّحرية الاعتقاد والضميرحق التنظيم الحزبي والانتخاباتحق التنظيم الحزبيأ- مفهوم الحزب لغةب - مفهوم الحزب اصطلاحًاخلفيات النظرة السل...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

مقاصد الشريعة في قوانين العمل وحقوق الإنسان

أحمد جاب الله: مدير المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية – باريس محتويات المقال:تعريف العملالمقاصد الشرعية للعمل1- مقصد التعبد2- عمارة الأرض وتنمية الثروة3- تحقيق الاكتفاء الذاتي4- التعبير عن القدرات الذاتية في العمل والإنتا...

مقالات متعلقة بأيام دولية
إقرأ المزيد

العدل في النص القرآني

محمد سليم العوَّا عرض الدكتور محمد حسن جبل لمعاني تعبير (العدل) ومشتقاته في القرآن الكريم وانتهى بعد استقراء مواضع الاستعمال القرآني لهذه الكلمة إلى أنها ترد في مواضعها كلها بمعنى العدل الذي هو ضد الظلم، اللهم إلا في أرب...

مقالات متعلقة بأيام دولية
Back to Top